ابن قيم الجوزية

191

الروح

فصل [ الرد على الاستدلال بانقطاع العمل ] وأما استدلالكم بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إذا مات العبد انقطع عمله » فاستدلال ساقط ، فإنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقل : انقطع انتفاعه ، وإنما أخبر عن انقطاع عمله ، وأما عمل غيره فهو لعامله ، فإن وهبه له فقد وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله ، فالمنقطع شيء والواصل إليه شيء آخر ، وكذلك الحديث الآخر وهو قوله : « إن مما يلحق الميت من حسناته وعمله » فلا ينفي أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته . فصل [ الرد على أن الإهداء حوالة ] وأما قولكم الإهداء حوالة ، والحوالة إنما تكون بحق لازم ، فهذه حوالة المخلوق على المخلوق . وأما حوالة المخلوق على الخالق فأمر آخر لا يصح قياسها على حوالة العبيد بعضهم على بعض ، وهل هذا إلا من أبطل القياس وأفسده ، والذي يبطله إجماع الأمة على انتفاعه بأداء دينه وما عليه من الحقوق ، وإبراء المستحق لذمته والصدقة والحج عنه ، والنص الذي لا سبيل إلى رده ودفعه ، وكذلك الصوم ، وهذه الأقيسة الفاسدة لا تعارض نصوص الشرع وقواعده . فصل [ الرد على من قال أن الإيثار مكروه ] وأما قولكم الإيثار بسبب الثواب مكروه وهو مسألة للإيثار بالقرب ، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو الغاية ، فقد أجيب عنه بأجوبة : أحدها : إن حال الحياة حال لا يوثق فيها بسلامة العاقبة ، لجواز أن يرتد الحي ، فيكون قد آثر بالقربة غير أهلها ، وهذا قد آمن بالموت . فإن قيل : والمهدى إليه أيضا ، قد لا يكون مات على الإسلام باطنا فلا ينتفع بما يهدي إليه ، وهذا سؤال في غاية البطلان ، فإن الإهداء له من جنس الصلاة عليه ، والاستغفار له ، والدعاء له ، فإن كان أهلا وإلا انتفع به الداعي وحده . الجواب الثاني : إن الإيثار بالقرب يدل على قلة الرغبة فيها ، والتأخر عن فعلها ، فلو ساغ الإيثار بها لأفضى إلى التقاعد والتكاسل والتأخر ، بخلاف إهداء