ابن قيم الجوزية
188
الروح
سعي منهم ، فهذا ليس هو لهم ، وإنما هو للآباء ، أقر اللّه أعينهم بإلحاق ذريتهم بهم في الجنة ، وتفضل على الأبناء بشيء لم يكن لهم ، كما تفضل بذلك على الولدان ، والحور العين ، والخلق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال ، والقوم الذين يدخلهم الجنة بلا خير قدموه ولا عمل عملوه ، فقوله تعالى : أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى « 1 » وقوله : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى « 2 » آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تعالى وحكمته وكماله المقدس ، والعقل والفطرة شاهدان بهما ، فالأول يقتضي أنه لا يعاقب بجرم غيره ، والثانية يقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه ، فالأولى تؤمن العبد من أخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا ، والثانية تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه ، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب ، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين . ونظيره قوله تعالى : مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا « 3 » فحكم سبحانه لأعدائه بأربعة أحكام هي غاية العدل والحكمة : أحدها : إن هدى العباد بالإيمان والعمل الصالح لنفسه لا لغيره . الثاني : إن ضلاله بفوات ذلك وتخلفه عنه على نفسه لا على غيره . الثالث : أن أحدا لا يؤاخذ بجريرة غيره « 4 » . الرابع : أنه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله ، فتأمل ما في ضمن هذه الأحكام الأربعة من حكمته تعالى وعدله وفضله ، والرد على أهل الغرور والأطماع الكاذبة ، وعلى أهل الجهل باللّه وأسمائه وصفاته . قالت طائفة أخرى : المراد بالإنسان هاهنا الحي دون الميت ، وهذا أيضا من النمط الأول في الفساد .
--> ( 1 ) سورة النجم ، الآية 38 . ( 2 ) سورة النجم ، الآية 39 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية 15 . ( 4 ) أي لا يؤاخذ أي إنسان بما فعله غيره ، لأن كل إنسان مؤاخذ بما يفعله هو : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ .