ابن قيم الجوزية

189

الروح

وهذا كله من سوء التصرف في اللفظ العام ، وصاحب هذا التصرف لا ينقذ تصرفه في دلالات الألفاظ وحملها على خلاف موضوعها ، وما يتبادر إلى الذهن منها ، وهو تصرف فاسد قطعا يبطله السياق والاعتبار وقواعد الشرع وأدلته وعرفه ، وسبب هذا التصرف السيئ أن صاحبه يعتقد قولا ثم يرد كلما دل على خلافه بأي طريق اتفقت له ، فالأدلة المخالفة لما اعتقده عنده من باب الصائل لا يبالي بأي شيء دفعه ، وأدلة الحق لا تتعارض ولا تتناقض بل يصدق بعضها بعضا . وقالت طائفة أخرى : وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل قال : الجواب الجيد عندي أن يقال : الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء ، وأولد الأولاد ، ونكح الأزواج ، وأسدى الخير ، وتودد إلى الناس ، فترحموا عليه وأهدوا له العبادات ، وكان كذلك أثر سعيه ، كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه » . ويدل عليه قوله في الحديث الآخر : « إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث : علم ينتفع به من بعده ، وصدقة جارية عليه ، أو ولد صالح يدعو له » . ومن هنا قول الشافعي : إذا بذل له ولده طاعة الحج كان ذلك سببا لوجوب الحج عليه ، حتى كأنه في ماله زاد وراحلة ، بخلاف بذل الأجنبي . وهذا جواب متوسط يحتاج إلى تمام ، فإن العبد بإيمانه وطاعته للّه ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين من عمله ، كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله ، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها ، كالصلاة في جماعة ، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة ، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره ، كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخر ، بل قد قيل : إن الصلاة يضاعف ثوابها بعود المصلين ، وكذلك اشتراكهم في الجهاد والحج ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتعاون على البر والتقوى ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » وشبك بين أصابعه « 1 » . ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب المظالم باب نصر المظلوم ، وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب ، وأخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم .