ابن قيم الجوزية
187
الروح
وقد قال تعالى : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ « 1 » وقال تعالى وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 2 » . وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ « 3 » فهو رب جميع العالم ربوبية شاملة لجميع ما في العالم من ذوات وأفعال وأحوال . وقالت طائفة : الآية إخبار بشرع من قبلنا ، وقد دل شرعنا على أنه له ما سعى وما سعى له ، وهذا أيضا أضعف من الأول أو من جنسه ، فإن اللّه سبحانه أخبر بذلك إخبار مقرر له محتج به ، لا إخبار مبطل له ، ولهذا قال أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى « 4 » فلو كان هذا باطلا في هذه الشريعة يخبر به إخبار مقرر له محتج به . وقالت طائفة : اللام بمعنى على ، أي : وليس على الإنسان إلا ما سعى . وهذا أبطل من القولين الأولين ، فإنه قلب موضوع الكلام إلى ضد معناه المفهوم منه ، ولا يسوغ مثل هذا ولا تحتمله اللغة ، وأما نحو : ( ولهم اللعنة ) فهي على بابها ، أي نصيبهم وحظهم وأما أن العرب تعرف في لغاتها : لي درهم بمعنى علي درهم فكلا . وقالت طائفة في الكلام حذف تقديره : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى « 5 » أو سعى له وهذا أيضا من النمط الأول ، فإنه حذف ما لا يدل السياق عليه بوجه وقول على اللّه وكتابه بلا علم . وقالت طائفة أخرى : الآية منسوخة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ « 6 » وهذا منقول عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وهذا ضعيف أيضا ، ولا يرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس رضي اللّه عنهما ولا غيره أنها منسوخة ، والجمع بين الآيتين غير متعذر ولا ممتنع ، فإن الأبناء تبعوا الآباء في الآخرة كما كانوا تبعا لهم في الدنيا ، وهذه التبعية هي من كرامة الآباء وثوابهم الذي نالوه بسعيهم ، وأما كون الأبناء لحقوا بهم في الدرجة بلا
--> ورفع صوته : أبينا ، أبنيا . انظر دلائل النبوة ( 3 / 413 ) . ( 1 ) سورة يونس ، الآية 100 . ( 2 ) سورة المدثر ، الآية 56 . ( 3 ) سورة التكوير ، الآية 37 . ( 4 ) سورة النجم ، الآية 37 . ( 5 ) سورة النجم ، الآية 39 . ( 6 ) سورة الطور ، الآية 21 .