ابن قيم الجوزية
186
الروح
يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ « 1 » وكقوله في الحديث الإلهي : « يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » وهو كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ « 2 » ولا تغتر بقول كثير من المفسرين في لفظ الإنسان في القرآن ، الإنسان هاهنا أبو جهل ، والإنسان هاهنا عقبة ابن أبي معيط ، والإنسان هاهنا الوليد بن المغيرة ، فالقرآن أجل من ذلك ، بل الإنسان هو الإنسان من حيث هو من غير اختصاص بواحد بعينه ، كقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ « 3 » و إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ « 4 » و إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً « 5 » و إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى « 6 » و إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ « 7 » و حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا « 8 » فهذا شأن الإنسان من حيث ذاته ونفسه ، وخروجه عن هذه الصفات بفضل ربه وتوفيقه له ومنته عليه ، لا من ذاته ، فليس له من ذاته إلا هذه الصفات ، وما به من نعمة فمن اللّه وحده ، فهو الذي حبب إلى عبده الإيمان وزينه في قلبه ، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان ، وهو الذي كتب في قلبه الإيمان ، وهو الذي يثبت أنبيائه ورسله وأولياءه على دينه ، وهو الذي يصرف عنهم السوء والفحشاء . وكان يرتجز بين يدي النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : واللّه لولا اللّه ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا « 9 »
--> ( 1 ) سورة الزلزلة ، الآية 7 و 8 . ( 2 ) سورة الانشقاق ، الآية 6 . ( 3 ) سورة العصر ، الآية 2 . ( 4 ) سورة العاديات ، الآية 6 . ( 5 ) سورة المعارج ، الآية 19 . ( 6 ) سورة العلق ، الآية 6 و 7 . ( 7 ) سورة إبراهيم ، الآية 34 . ( 8 ) سورة الأحزاب ، الآية 72 . ( 9 ) أخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء يقول : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ينقل معنا التراب يوم الأحزاب وقد وارى التراب بياض بطنه وهو يقول : اللهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنة أبينا