ابن قيم الجوزية
18
الروح
تسميته زائرا ، فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال : زاره هذا ، هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم ، وكذلك السلام عليهم أيضا ، فإن السلام على من لا يشعر ولا يعلم بالمسلم محال ، وقد علم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا : « سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون ، يرحم اللّه المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين ، نسأل اللّه لنا ولكم العافية » « 1 » . وهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد ، وإن لم يسمع المسلم الرد ، وإذا صلى الرجل قريبا منهم شاهدوه وعلموا صلاته وغبطوه على ذلك . ( قال ) يزيد بن هارون : أخبرنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، أن ابن ساس خرج في جنازة في يوم وعليه ثياب خفاف ، فانتهى إلى قبر ، قال : فصليت ركعتين ، ثم اتكأت عليه ، فو اللّه إن قلبي ليقظان ، إذ سمعت صوتا من القبر ، إليك عني لا تؤذني فإنكم [ اليوم ] « 2 » تعلمون ولا تعملون ، ونحن [ اليوم ] نعلم ولا نعمل ولأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من كذا وكذا ، فهذا قد علم باتكاء الرجل على القبر وبصلاته . ( وقال ) ابن أبي الدنيا : حدثني الحسين بن علي العجلي ، حدثنا محمد بن الصلت ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن ثابت بن سليم ، حدثنا أبو قلابة قال : أقبلت من الشام إلى البصرة ، فنزلت منزلا ، فتطهرت وصليت ركعتين بليل ، ثم وضعت رأسي على قبر فنمت ، ثم انتبهت ، فإذا صاحب القبر يشتكيني ، قد آذيتني منذ الليلة ثم قال : إنكم تعلمون ولا تعملون ، ونحن نعلم ولا نقدر على العمل ، ثم قال : الركعتان اللتان ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ، ثم قال : جزى اللّه أهل الدنيا خيرا ، أقرئهم منا السلام ، فإنه يدخل علينا من دعائهم نورا مثال الجبال .
--> ( 1 ) أخرج الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن بريدة قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم : « السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون أنتم فرطنا ونحن تبع لكم ، ونسأل اللّه لنا ولكم العافية » وروى الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مر بقبور المدينة ، فأقبل عليهم بوجهه فقال : « السلام عليكم يا أهل القبور ، يغفر اللّه لنا ولكم ، أنتم سلفنا ونحن بالأثر » . ( 2 ) وردت في المطبوع : يوم ولعله كما أثبتناه .