ابن قيم الجوزية
19
الروح
( وحدثني ) الحسين العجلي ، حدثنا عبد اللّه بن نمير ، حدثنا مالك بن مغول ، عن منصور بن زيد بن وهب قال : خرجت إلى الجبّانة فجلست فيها ، فإذا رجل قد جاء إلى قبر فسواه ، ثم تحول إلي فجلس قال : فقلت لمن هذا القبر ؟ قال : أخ لي ، فقلت : أخ لك ؟ فقال : أخ لي في اللّه رأيته فيما يرى النائم فقلت : فلان عشت ، الحمد للّه رب العالمين ، قال : قد قلتها ، لأن أقدر على أن أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها ، ثم قال : ألم تر حيث كانوا يدفنونني ، فإن فلانا قام فصلى ركعتين ، لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إلي من الدنيا وما فيها ( حدثني ) أبو بكر التيمي ، حدثنا عبد اللّه بن صالح ، حدثني الليث بن سعد ( حدثني ) حميد الطويل ، عن مطرف بن عبد اللّه الحرشي قال : خرجنا إلى الربيع في زمانه ، فقلنا : ندخل يوم الجمعة لشهودها وطريقنا على المقبرة ، قال : فدخلنا فرأيت جنازة في المقبرة ، فقلت : لو اغتنمت شهود هذه الجنازة فشهدتها ، قال : فاعتزلت ناحية قريبا من قبر ، فركعت ركعتين خففتهما لم أرض إتقانهما ونعمت ، فرأيت صاحب القبر يكلمني وقال : ركعت ركعتين لم ترض إتقانهما ؟ قلت : قد كان ذلك ، قال : تعلمون ولا تعملون ولا نستطيع أن نعمل ، لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها ، فقلت : من هاهنا ؟ فقال : كلهم مسلم ، وكلهم قد أصاب خيرا ، فقلت : من هاهنا أفضل ؟ فأشار إلى قبر ، فقلت في نفسي اللهم ربنا أخرجه إلي فأكلمه ، قال : فخرج من قبره فتى شاب ، فقلت : أنت أفضل من هاهنا ؟ قال : قد قالوا ذلك ، قلت : فبأي شيء نلت ذلك ، فو اللّه ما أرى لك ذلك السن فأقول نلت ذلك بطول الحج والعمرة والجهاد في سبيل اللّه والعمل ، قال قد ابتليت بالمصائب فرزقت الصبر عليها فبذلك فضلتهم . تنبيه : وهذه المرائي وإن لم تصح بمجردها لإثبات مثل ذلك فهي على كثرتها وأنها لا يحصيها إلا اللّه قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر يعني ليلة القدر ، فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤ روايتهم له وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه ، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن ، وما رأوه قبيحا فهو عند اللّه قبيح ، على أنا لم نثبت هذا بمجرد الرؤيا بل بما ذكرناه من الحجج وغيرها .