ابن قيم الجوزية

173

الروح

والدار الثانية : هي الدار التي نشأت فيها وألفتها واكتسبت فيها الخبر والشر وأسباب السعادة والشقاوة . والدار الثالثة : دار البرزخ وهي أوسع من هذه الدار وأعظم بل نسبتها إليه كنسبة هذه الدار إلى الأولى . والدار الرابعة : دار القرار وهي الجنة أو النار ، فلا دار بعدها ، واللّه ينقلها في هذه الدار طبقا بعد طبق حتى يبلغها الدار التي لا يصلح لها غيرها ولا يليق بها سواها ، وهي التي خلقت لها وهيئت للعمل الموصل إليها ، ولها في كل دار من هذه الدور حكم وشأن غير شأن الدار الأخرى ، فتبارك اللّه فاطرها ومنشئها ومميتها ومحييها ومسعدها ومشقيها الذي فاوت بينها في درجات سعادتها وشقاوتها كما فاوت بينها في مراتب علومها وأعمالها وقواها وأخلاقها . فمن عرفها كما ينبغي شهد أن لا إله إلا اللّه وحده ولا شريك له له الملك كله وله الحمد كله ، وبيده الخير كله ، وإليه يرجع الأمر كله ، وله القوة كلها ، والقدرة كلها ، والعز كله ، والحكمة كلها ، والكمال المطلق من جميع الوجوه وعرف بمعرفة نفسه صدق أنبيائه ورسله وأن الذي جاءوا به هو الحق الذي تشهد به العقول وتقر به الفطر وما خالفه فهو الباطل وباللّه التوفيق . المسألة السادسة عشرة [ انتفاع أرواح الموتى بعمل الغير ] وهي : هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعي الأحياء أم لا ؟ فالجواب : أنها تنتفع من سعي الأحياء بأمرين تجمع عليهما بين أهل السنّة من الفقهاء وأهل الحديث والتفسير . أحدهما : ما تسبب إليه الميت في حياته . والثاني : دعاء المسلمين له واستغفارهم له والصدقة والحج على نزاع : ما الذي يصل من ثوابه هل ثواب الإنفاق أو ثواب العمل ؟ فعند الجمهور : يصل ثواب العمل نفسه ، وعند بعض الحنفية إنما يصل ثواب الإنفاق . واختلفوا في العبادة البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر ، فمذهب