ابن قيم الجوزية

172

الروح

كانت روحا سفلية أرضية ، فإن الأنفس الأرضية لا تجامع الأنفس السماوية كما تجامعها في الدنيا ، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها ومحبته وذكره والأنس به والتقرب إليه ، بل هي أرضية سفلية ، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك ، كما أن النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة اللّه وذكره والتقرب إليه والأنس به تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها ، فالمرء مع من أحب في البرزخ ويوم القيامة ، واللّه تعالى يزوج النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد كما تقدم في الحديث ، ويجعل روحه يعني المؤمن مع النسيم الطيب أي الأرواح الطيبة المشاكلة فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها وإخوانهم وأصحاب عملها فتكون معهم هناك . ومنها : أرواح تكون في تنور الزناة والزواني ، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقهم الحجارة ، فليس للأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد ، بل روح في أعلى عليين ، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض . وأنت إذا تأملت السنن والآثار في هذا الباب وكان لك بها فضل اعتناء عرفت حجة ذلك ، ولا تظن أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضا فإنها كلها حق يصدق بعضها بعضا ، لكن الشأن في فهمها ومعرفة النفس وأحكامها وأن لها شأنا غير شأن البدن ، وأنها مع كونها في الجنة فهي في السماء وتنفعل بفناء القبر وبالبدن فيه ، وهي أسرع شيء حركة وانتقالا وصعودا وهبوطا وأنها تنقسم إلى مرسلة ومحبوسة وعلوية وسفلية ولها بعد المفارقة صحة ومرض ولذة ونعيم وألم أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير ، [ فهنالك ] « 1 » الحبس والألم والعذاب والمرض والحسرة ، وهنالك اللذة والراحة والنعيم والإطلاق ، وما أشبه حالها في هذا البدن بحال ولد في بطن أمه وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار . فلهذه الأنفس أربع دور ، كل دار أعظم من التي قبلها : الدار الأولى : في بطن الأم وذلك الحصر والضيق والغم والظلمات الثلاث .

--> ( 1 ) وردت في المطبوع : فهناك لك .