ابن قيم الجوزية

17

الروح

تعرض أعمال الأحياء على الموتى ، فإذا رأوا حسنا فرحوا واستبشروا ، وإن رأوا سوءا قالوا : اللهم راجع به . وذكر ابن أبي الدنيا عن أحمد بن أبي الحواري قال : حدثني محمد أخي قال : دخل عباد بن عباد على إبراهيم بن صالح وهو على فلسطين فقال : عظني ؟ قال : بم أعظك أصلحك اللّه ، بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم الموتى فانظر ما يعرض على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم من عملك ، فبكى إبراهيم حتى أخضل « 1 » لحيته . قال ابن أبي الدنيا : وحدثني محمد بن الحسين ، حدثني خالد بن عمرو الأموي ، حدثنا صدقة بن سليمان الجعفري قال : كانت لي شرة سمجة « 2 » فمات أبي ، فأنبت وندمت على ما فرطت ، قال : ثم زللت أيما زلة ، فرأيت أبي في المنام فقال : أي بني ما كان أشد فرحي بك ، أعمالك تعرض علينا فنشبهها بأعمال الصالحين ، فلما كانت هذه المرة استحييت لذلك حياء شديدا ، فلا تخزني فيمن حولي من الأموات ، فقال : فكنت أسمعه بعد ذلك يقول في دعائه في السحر ( وكان جار لي بالكوفة ) : أسألك إنابة لا رجعة فيها ولا حور « 3 » ، يا مصلح الصالحين ، ويا هادي المضلين ، ويا أرحم الراحمين . وهذا باب في آثار كثيرة عن الصحابة ، وكان بعض الأنصار من أقارب عبد اللّه بن رواحة يقول : اللهم إني أعوذ بك من عمل أخزى به عند عبد اللّه بن رواحة ، كان يقول ذلك بعد أن استشهد عبد اللّه . ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرا ولولا أنهم يشعرون به لما صح

--> - توفي سنة إحدى وثمانين ومائة وله ثلاث وستون سنة ، قيل مات بهيت - بالكسر - بلد بالعراق منصرفا من غزوة ، وقيل مات في برية سائحا مختارا للعزلة . قال في العبر : كان أستاذه تاجرا فتعلم منه ، وكان أبوه تركيا وأمه خوارزمية . ( انظر شذرات الذهب 1 / 295 ) . ( 1 ) يقال : شيء خضل أي رطب ، والخضل : النبات الناعم ، وأخضل الشيء اخضلالا واخضوضل : أي ابتل . ( 2 ) أي تبيحه . ( 3 ) الحور : الرجوع .