ابن قيم الجوزية

132

الروح

المسألة الثانية عشرة [ سؤال منكر ونكير ] وهي أن سؤال منكر ونكير هل هو مختص بهذه الأمة أو يكون لها ولغيرها . هذا موضع تكلّم فيه الناس ، فقال أبو عبد اللّه الترمذي : إنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة ، فإذا أبوا كفّت الرسل واعتزلوهم ، وعولجوا بالعذاب ؛ فلما بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالرحمة إماما للخلق كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 1 » أمسك عنهم العذاب وأعطي السيف حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف ، ثم يرسخ الإيمان في قلبه ، فأمهلوا ، فمن هاهنا ظهر أمر النفاق ، وكانوا يسرّون الكفر ويعلنون الإيمان ، فكانوا بين المسلمين في ستر ، فلما ماتوا قيض اللّه لهم فتّاني القبر ليستخرجا سرّهم بالسؤال وليميز اللّه الخبيث من الطيّب ف يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ « 2 » . وخالف في ذلك آخرون منهم عبد الحق الإشبيلي والقرطبي وقالوا : السؤال لهذه الأمة ولغيرها . وتوقف في ذلك آخرون منهم أبو عمر بن عبد البر فقال : وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن هذه الأمة تبتلى في قبورها » ، ومنهم من يرويه « تسأل » ، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصّت بذلك فهذا أمر لا يقطع عليه . وقد احتج من خصه بهذه الأمة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن هذه الأمة تبتلى في قبورها » ، وبقوله : « أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم » وهذا ظاهر في الاختصاص بهذه الأمة ، قالوا : ويدل عليه قول الملكين له : ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول المؤمن : أشهد أنه عبد اللّه ورسوله ، فهذا خاص بالنبي صلى اللّه عليه وسلم . وقوله في الحديث الآخر : « إنكم بي ممتحنون وعنّي تسألون » . وقال آخرون : لا يدل هذا على اختصاص السؤال بهذه الأمة دون سائر

--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية 107 . ( 2 ) سورة إبراهيم ، الآية 27 .