ابن قيم الجوزية
115
الروح
ونصيبه ، ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه ونصيبه وحظه ، فيجعل اللّه النار على هذا بردا وسلاما ، والهواء على ذلك نارا أو سموما ، فعناصر العالم وموارده منقادة لربها وفاطرها وخالقها ، يصرفها كيف يشاء ، ولا يستعصي عليه منها شيء أراده بل هي طوع مشيئته مذللة منقادة لقدرته ، ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين وكفر به وأنكر ربوبيته . فصل [ البعث ] الأمر العاشر : إن الموت معاد وبعث أول ، فإن اللّه سبحانه وتعالى جعل لابن آدم معادين وبعثين يجزي فيهما الذين أساءوا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى . فالبعث الأول : مفارقة الروح للبدن ومصيرها إلى دار الجزاء الأول . والبعث الثاني : يوم يرد اللّه الأرواح إلى أجسادها ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار وهو الحشر الثاني ، ولهذا ورد في الحديث الصحيح « وتؤمن بالبعث الآخر » فإن البعث الأول لا ينكره أحد ، وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه والنعيم والعذاب ، وقد ذكر اللّه سبحانه وتعالى هاتين القيامتين وهما الصغرى والكبرى في سورة المؤمنين ، وسورة الواقعة ، وسورة القيامة ، وسورة المطففين ، وسورة الفجر ، وغيرها من السور ، وقد اقتضى عدله وحكمته أن جعلها داري جزاء المحسن والمسئ ، ولكن توفية الجزاء إنما يكون يوم المعاد الثاني في دار القرار ، كما قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ . وقد اقتضى عدله وأوجبت أسماؤه الحسنى ، وكماله المقدس ، تنعيم أبدان أوليائه وأرواحهم ، وتعذيب أبدان أعدائه وأرواحهم ، فلا بد أن يذيق بدن المطيع له وروحه من النعيم واللذة ما يليق به ، ويذيق بدن الفاجر العاصي له وروحه من الألم والعقوبة ما يستحقه ، وهذا موجب عدله وحكمته وكماله المقدس . ولما كانت هذه الدار دار تكليف وامتحان ، لا دار جزاء لم يظهر فيها ذلك ، وأما البرزخ فأول دار الجزاء ، فظهر فيها من ذلك ما يليق بتلك الدار ، وتقتضي الحكمة إظهاره ، فإذا كان يوم القيامة الكبرى وفيّ أهل الطاعة وأهل المعصية ما يستحقونه من نعيم الأبدان والأرواح وعذابهما ، فعذاب البرزخ ونعيمه أول عذاب الآخرة