ابن قيم الجوزية

116

الروح

ونعيمها وهو مشتق منه ، وواصل إلى أهل البرزخ هناك ، كما دل عليه القرآن والسنّة الصحيحة الصريحة في غير موضع دلالة صريحة ، كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « فيفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها » ، وفي الفاجر : « فيفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها » . ومعلوم قطعا أن البدن يأخذ حظه من هذا الباب كما تأخذ الروح حظها فإذا كان يوم القيامة دخل من هذا الباب لمقعده الذي هو داخله ، وهذان البابان يصل منهما إلى العبد في هذه الدار أثر خفي محجوب بالشواغل والغواشي الحسية والعوارض ، ولكن يحس به كثير من الناس وإن لم يعرف سببه ولا يحسن التعبير عنه ، فوجود الشيء غير الإحساس به والتعبير عنه ، فإذا مات كان وصول ذلك الأثر إليه من ذينك البابين أكمل ، فإذا بعث كمل وصول ذلك الأثر إليه ، فحكمة الرب تعالى منتظمة لذلك أكمل النظام في الدور الثلاث . المسألة الثامنة [ عدم ذكر القرآن لعذاب القبر ] وهي قول السائل : ما الحكمة في كون عذاب القبر لم يذكر في القرآن مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به ليحذر ويتقي ؟ فالجواب من وجهين : مجمل ، ومفصل . أما المجمل : فهو أن اللّه سبحانه وتعالى أنزل على رسوله وحيين ، وأوجب على عباده الإيمان بهما ، والعمل بما فيهما ، وهما الكتاب والحكمة ، وقال تعالى وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ « 1 » وقال تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ « 2 » وقال تعالى وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ « 3 » . والكتاب : هو القرآن ، والحكمة : هي السنّة باتفاق السلف ، وما أخبر به الرسول عن اللّه فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله ، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكر ، إلا من ليس منهم ،

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية 113 . ( 2 ) سورة الجمعة ، الآية 2 . ( 3 ) سورة الأحزاب ، الآية 34 .