ابن قيم الجوزية
111
الروح
ذلك ، فهذا جبريل كان ينزل على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ويتمثل له رجلا فيكلمه بكلام يسمعه ، ومن إلى جانب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يراه ولا يسمعه ، وكذلك غيره من الأنبياء وأحيانا يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس ، ولا يسمعه غيره من الحاضرين ، وهؤلاء الجن يتحدثون ويتكلمون بالأصوات المرتفعة ، بيننا ونحن لا نسمعهم ، وقد كانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط ، وتضرب رقابهم وتصيح بهم ، والمسلمون معهم لا يرونهم ولا يسمعون كلامهم ، واللّه سبحانه قد حجب بني آدم عن كثير مما يحدثه في الأرض وهو بينهم ، وقد كان جبريل يقرئ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ويدارسه القرآن والحاضرون لا يسمعونه . وكيف يستنكر من يعرف اللّه سبحانه ويقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه حكمة منه ورحمة بهم ، لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها ، والبعد أضعف بصرا وسمعا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر ، وكثيرا ممن أشهده اللّه ذلك صعق وغشي عليه ولم ينتفع بالعيش زمنا ، وبعضهم كشف قناع قلبه فمات ، فكيف ينكر في الحكمة الإلهية أسبال غطاء يحول بين المكلفين وبين مشاهدة ذلك ، حتى إذا كشف الغطاء رأوه وشاهدوه عيانا . ثم إن العبد قادر على أن يزيل الزئبق والخردل عن عين الميت وصدره ثم يرده بسرعة ، فكيف يعجز عنه الملك ، وكيف لا يقدر عليه من هو على كل شيء قدير ، وكيف تعجز قدرته على إبقائه في عينيه وعلى صدره لا يسقط عنه ، وهل قياس أمر البرزخ على ما يشاهده الناس في الدنيا إلا محض الجهل والضلال ، وتكذيب أصدق الصادقين ، وتعجيز رب العالمين وذلك غاية الجهل والظلم . وإذا كان أحدنا يمكنه توسعة القبر عشرة أذرع ومائة ذراع وأكثر طولا وعرضا وعمقا ، ويستر توسيعه عن الناس ، ويطلع عليه من يشاء ، فكيف يعجز رب العالمين أن يوسعه ما يشاء على من يشاء ، ويستر ذلك على أعين بني آدم ، فيراه بنو آدم عميقا ، وهو أوسع شيء وأطيبه ريحا وأعظمه إضاءة ونورا ، وهم لا يرون ذلك . وسر المسألة : أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالم ، واللّه سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما