ابن قيم الجوزية
112
الروح
كان فيها ومنها ، فأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل عليه الغطاء ليكون الإقرار والإيمان به سببا لسعادتهم ، فإذا كان كشف عنهم الغطاء صار عيانا مشاهدا ، فلو كان الميت بين الناس موضوعا لم يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألانه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك ، ويجيبهما من غير أن يسمعوا كلامه ، ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضربه ، وهذا الواحد منا ينام إلى جنب صاحبه فيعذب في النوم ويضرب ويألم ، وليس عند المستيقظ خبر من ذلك البتة ، وقد سرى أثر الضرب والألم إلى جسده . ومن أعظم الجهل استبعاد شق الملك الأرض والحجر وقد جعلهما اللّه سبحانه له كالهواء للطير ، ولا يلزم من حجبها للأجسام الكثيفة أن تتولج حجبها للأرواح اللطيفة ، وهل هذا إلا من أفسد القياس وبهذا وأمثله كذبت الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم . فصل [ عودة الروح ] الأمر الثامن : أنه غير ممتنع أن ترد الروح إلى المصلوب والغريق والمحرق ونحن لا نشعر بها ، لأن ذلك الرد نوع آخر غير المعهود ، فهذا المغمي عليه والمسكوت والمبهوت أحياء ، وأرواحهم معهم ولا تشعر بحياتهم ، ومن تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالا بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه ، ويكون في تلك الأجزاء شعور بنوع من الألم واللذة ، وإذا كان اللّه سبحانه وتعالى قد جعل للجمادات شعورا وإدراكا تسبح ربها به ، وتسقط الحجارة من خشيته ، وتسجد له الجبال والشجر وتسبحه الحصى والمياه والنبات قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ « 1 » ولو كان التسبيح هو مجرد دلالتها على صانعها لم يقل : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ « 2 » فإن كان عاقل يفقه دلالتها على صانعها ، وقال تعالى : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ « 3 » والدلالة على الصانع لا تختص بهذين الوقتين ، وكذلك قوله تعالى : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ « 4 » والدلالة لا تختص
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية 44 . ( 2 ) سورة الإسراء ، الآية 44 . ( 3 ) سورة ص ، الآية 18 . ( 4 ) سورة سبأ ، الآية 10 .