الشيخ السبحاني
277
رسائل ومقالات
يقول مؤلف « موقف المتكلمين » : إنّ البحث في المجاز لو كان أمراً لغوياً لم يكن به بأس ، ولكنّه ربّما يقع سُلّماً ومطيةً لأهل البدع بتحريف بعض نصوص الشرع عن حقائقها . ولو كان مجرد اصطلاح لا يترتب عليه خوض في مسائل الشريعة لما حصل فيه خلاف كبير ولما احتدم فيه النقاش ، ولكن لمّا أدرك العلماء خطورتَه وكثرةَ المتدرّعين به سارعوا إلى تحقيق القول فيه بين ضعف قواعده وقصور مباحثه . وذكر في ذلك الفصل حجج المنكرين للمجاز قائلًا إنّ أبرزها ما يلي : 1 . أنّ المجاز كذب ؛ لأنّه يتناول الشيء على خلاف حقيقته ، ومن المعلوم بالضرورة أنّ كلام اللَّه تعالى كلّه حق ، وكلّ حق فله حقيقة ، وكل ما كان حقيقة ، فإنّه لا يكون مجازاً . 2 . أنّ العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي نسبة الحاجة أو الضرورة ، أو العجز إلى اللَّه تعالى ، وهذا محال على اللَّه تعالى . 3 . أنّ اللَّه تعالى لو خاطب بالمجاز لصحّ وصفه بأنّه متجوّز ، ومستعير ، وهو خلاف الإجماع . 4 . أن المجاز لا يُفهم معناه بلفظه دون قرينة ، وربّما تخفى ، فيقع الالتباس على المخاطب فلا يفهم مراد اللَّه ، وهذا يخالف حكمة الخطاب . « 1 » هذه أدلّته على نفي المجاز لا لغاية التحقيق في اللغة ، بل للتحرز عن حمل الصفات الخبرية على المعاني المجازية ، وهذا يعني أنّه اتخذ موقفاً خاصاً من الصفات الخبرية وصار ذلك سبباً لإنكار المجاز ، وإلا فلو دخل في البحث مجرداً عن عقيدة مسبقة لما أنكر المجاز ولما اعتمد على هذه الأدلّة الواهية الّتي تُضحك الثكلى .
--> ( 1 ) . موقف المتكلمين : 1 / 459 - 460 .