الشيخ السبحاني

372

رسائل ومقالات

الفلسفية ، فقدّم ما حقّه التقديم وأخّر ما حقّه التأخير ، فأصبحت المسائل الفلسفية ، كالمسائل الرياضية يستمد البحث الثاني من ماضيه . 2 . ولقد توفّق رحمه الله كل التوفيق في الجمع بين الآراء الباقية من أفلاطون ( مؤسّس مدرسة الإشراق ) وتلميذه الجليل أرسطو ( مبتكر منهج المشاء ) وكان الأوّل من المعلمين داعياً إلى تهذيب النفس وتصفية الباطن ، قائلًا بأنّ الطريق الوحيد إلى اقتناص شوارد الحقائق واكتشاف دقائق الكون هو هذا المنهج ليس غير ، وكان الثاني منهما مخالفاً له في أساس منهجه ، قائلًا بأنّ الدليل للوصول إلى الحقائق المكنونة ، والدقائق المجهولة ، هو التفكير والاستدلال والبرهنة الصحيحة ، فكان يخطو على ضوء البرهان العقلي من مقدمة إلى أُخرى ، إلى أن يصل إلى الحقيقة التي يتوخّاها بسيره النظري . ولم يزل التشاجر قائماً على ساقيه بين العلمين وأتباعهما في اليونان والإسكندرية وأوروبا في القرون الوسطى ، إلى أن سرى هذا الاختلاف إلى الفلاسفة الإسلاميين ، وهم بين مشائي لا يقيم للإشراق وزناً ، وإشراقي لا يجنح إلى فلسفة المشاء . وقد قضى مؤسّسنا الشيرازي على هذا التشاجر والنقاش الذي أشغل أعمار الفلاسفة من الأغارقة والمسلمين طوال هذه القرون والأجيال البالغة إلى ألفي سنة ، فختم بأفكاره وأسلوبه ، ونهجه ، على هذه المناظرات ، ومن كان له إلمام بأساسه الرصين يعرف كيف رفع هذا المبتكر الفذّ تلك المشاجرات ، وكيف ألغى بالأُصول المحرّرة تقابل المسلكين ، وتضاربهما ، بحيث لا يكاد يصحّ بعد هذه الأُصول أن يعد أحدهما مقابلًا للآخر . 3 . وإنّه قد حاز قصب السبق في ميدان الابتكار على فلاسفة الأغارقة من