الشيخ السبحاني
64
رسائل ومقالات
الوعد والوعيد ، ولم تكن لائمة للمذنب ، ولا مَحْمَدَة للمحسن ، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب ، وتلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن ، وحزب الشيطان وقدرية هذه الأُمّة ومجوسها ، وانّ اللَّه كلّف تخييراً ونهى تحذيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعص مغلوباً ، ولم يُطع مكرهاً ، ولم يملِّك مفوِّضاً ، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا ، ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً ، ذلك ظن الّذين كفروا فويل للّذين كفروا من النار » . « 1 » والحديث جمع بين القول بين القدر والقضاء وكون الإنسان مخيّراً لا مسيّراً . وانّ الإيمان بالقدر ، لا يجعل الإنسان مكتوف اليدين بل هو مختار غير مكرَه . ولقد بقيت الفكرة بعد رحيل الإمام علي عليه السلام وتسرّبت إلى كثير من الأوساط فجعلوا القضاء والقدر من أدلّة الجبر . ولمّا كان في القول بالقضاء والقدر وصمة الجبر ، أنكرت المعتزلة وقوع الأفعال الاختيارية الصادرة عن العباد متعلّقة بالقضاء والقدر ، خلافاً للأشاعرة فقد جعلوا الأفعال متعلّقاً للقضاء والقدر ، فقالوا : إنّ قضاء اللَّه هو إرادته الأزلية المتعلّقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال ، وقدره إيجادها إيّاها على قدر مخصوص وتقدير معيّن في ذواتها وأحوالها . « 2 » أقول : لا شكّ انّ كلّ ما في الكون من كبير وصغير وجليل ودقيق من الجواهر والأعراض كلّها واقعة في إطار القدر والقضاء ، غير أنّ استنتاج الجبر من القدر والقضاء ، استنتاج خاطئ ، بل القول بهما يؤكد الاختيار على خلاف ما يستنتجه القائلون بالجبر . وإليك توضيح المقام فانّه يطلق القضاء والقدر على معنيين :
--> ( 1 ) . الصدوق : التوحيد : 380 ، الحديث 28 . ( 2 ) . شرح مواقف : 8 / 180 - 181 .