الشيخ السبحاني
563
رسائل ومقالات
د : الإرادة التكوينية تسلب الاختيار هذا هو السبب المهم لما ذهب إليه الأُستاذ من أنّ الإرادة في الآية تشريعية لا تكوينية ، وذلك لأنّ الإرادة التكوينية تسلب الاختيار وبالتالي لا تصبح العصمة فخراً ، لأنّ الإنسان مع هذه الإرادة يصبح بلا اختيار . يلاحظ على هذا الكلام : انّ القول بالعصمة لو كان سالباً للاختيار فالإشكال يسري إلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى رأسهم سيد المرسلين فانّهم معصومون من الخطأ في إبلاغ الأحكام ومن العصيان في تطبيق الشريعة على الساحة باتفاق الأُمة إلّا من شذ ممن لا يعبأ به فلو كانت العصمة سالبة للاختيار فما قيمة عصمتهم وما قيمة اجتنابهم عن المعاصي . وهذا الإشكال ليس جديداً وإنّما هو مطروح في الموسوعات الكلامية والكتب التفسيرية وقد قام المحقّقون من علماء الإسلام بالإجابة عنه وقالوا : إنّ العصمة لا تسلب الاختيار عن الانسان ، فانّ المعصوم قادر على اقتراف المعاصي وارتكاب الخطايا حسب ما أُعطي من القدرة والحرية غير انّ وصوله إلى الدرجة العليا من التقوى واستشعاره بعظمة الخالق يصدّه عن اقترافها . وإن شئت قلت : إنّ المعصوم قد بلغ في العلم بآثار المعاصي مرحلة يشاهد آثارها السيئة مشاهدة حضورية لا يتسرب إليها الشك والترديد - يقول سبحانه : « كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ » « 1 » . ومثل هذا العلم يصدّ الإنسان عن ارتكاب المعاصي ، ولأجل تقريب الفكرة نأتي بالمثال التالي : إنّ الوالد العطوف بالنسبة إلى قتل ولده معصوم لا يقدم عليه ، ومع ذلك
--> ( 1 ) . التكاثر : 5 - 6 .