الشيخ السبحاني

34

رسائل ومقالات

فأمّا القسم الأوّل : فلا يتسرّب إليه البداء لافتراض كونه تقديراً حتمياً وقضاءً مبرماً ، وإنّما يتسرّب البداء إلى القسم الثاني وهو القضاء المعلق فهو يتغيّر إمّا بالأعمال الصالحة أو الطالحة قال سبحانه : « إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » « 1 » . وقال سبحانه : « وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » « 2 » . وقال تعالى : حاكياً عن شيخ الأنبياء نوح عليه السلام : « فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً » « 3 » . فالبداء بهذا المعنى ممّا اتفق عليه المسلمون قاطبة كما اتفقوا على عدم صحة البداء بالمعنى الأول ، وأمّا استعمال البداء « بدا للَّه » في هذا المقام مع أنّه بداء لنا من اللَّه فهو أشبه بالمجاز وقد استعمل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الأقرع والأبرص والأعمى تلك اللفظة ، وقال : وبدا للَّه عزّ وجلّ أن يبتليهم « 4 » . وعلى كلّ تقدير فليس النزاع في اللفظ والتسمية بل مورده هو المسمى والمقصود . ولو أنّ علماء السنّة وقفوا على ما هو المقصود من القول بالبداء للَّه لما اعترضوا على الشيعة الإمامية . وكم من مسائل خلافية لو طرحت في جوٍّ هادئ يسوده روح البحث العلمي بعيدٍ عن التعصب لزالت حواجز الاختلاف ولتقاربت وجهات نظر الطائفتين .

--> ( 1 ) . الرعد : 11 . ( 2 ) . الأعراف : 96 . ( 3 ) . نوح : 10 - 12 . ( 4 ) . البخاري : الصحيح : 4 / 171 .