الجاحظ

95

رسائل الجاحظ

ماله وآثر طيب الذكر على الغني واليسر ، ولم نر نفس العاشق تسخو بمعشوقه ولا يجود لشقيق نفسه ولا لوالد ولا لولد بار ولا لذي نعمة سابغة يخاف سلبها وصرف إحسانه عنه بسببها ، ولم نر الرجال يهبون للرجال إلا ما لا بال له في جنب ما يهبون للنساء ، حتى كان العطر والصبغ والخضاب والكحل والنتف والقص والتحذيف والحلق وتجويد الثياب وتنظيفها والقيام عليها وتعهدها مما لم يتكلفوه إلا لهن ، ولم يتقدموا فيه إلا من أجلهن ، وحتى كأن الحيطان الرفيعة والأبواب الوثيقة والستور الكثيفة والخصيان والظئورة والحشوة والحواضن لم تتخذ الا للصون لهن والاحتفاظ بما يجب من حفظ النعمة فيهن . فصل منه : وباب آخر وهو أنا لم نجد أحدا من الناس عشق والديه لا ولده ، ولا من عشق مراكبه ومنزله ، كما رأيناهم يموتون من عشق النساء الحرام . قال اللّه تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ فقد دل تبارك وتعالى على جملة أصناف ما خولهم من كرامته ومن عليهم من نعمته ، ولم نر الناس وجدوا بشيء من هذه الأصناف وجدهم بالنساء ، ولقد قدم ذكرهن في هذه الآية على قدر تقدمهن في قلوبهم . [ 3 - المرأة أحب من الغناء ] فان قال قائل : فقد نجد الرجل الحليم والشيخ الركين يسمع الصوت المطرب من المغني المصيب فينقله ذلك إلى طبع الصبيان وإلى أفعال المجانين فيشق جيبه وينقض حبوته ويفدي غيره ويرقص كما يرقص الحدث الغرير والشاب السفيه ، ولم نجد أحدا فعل ذلك عند رؤية معشوقه ؟ قلنا : أما واحدة فإنه لم يكن ليدع التشاغل بشمها وبرشفها وباحتضانها وتقبيل قدميها والمواضع التي وطئت عليها ويتشاغل بالرقص المباين لها والصراخ الشاغل عنها . فأما حل الحبوة والصراخ عند رؤية الحبيبة فإن هذا ما لا يحتاج إلى