الجاحظ
96
رسائل الجاحظ
ذكره ، لوجوده وكثرة استعمالهم له ، فكيف وهو إن خلا بمعشوقه لا يظن أن لذة الغناء تشغله بمقدار العشر من لذته ، بل ربما لم يخطر له ذلك الغناء على بال . وعلى أن ذلك الطرب مجتاز غير لابث وظاعن غير مقيم ، ولذة المتعاشقين راكدة أبدا ومقيمة غير ظاعنة . وعلى أن الغناء الحسن من الوجه الحسن والبدن الحسن أحسن ، والغناء الشهي من الوجه الشهي والبدن الشهي اشهى ، وكذلك الصوت الناعم الرخيم من الجارية الناعمة الرخيمة . وكم بين أن تفدي إذا شاع فيك الطرب مملوكك وبين أن تفدي أمتك ؟ وكم بين أن تسمع الغناء من فم تشتهي أن تقبله وبين أن تسمعه من فم تشتهي أن تصرف وجهك عنه ! وعلى أن الرجال دخلاء على النساء في الغناء ، كما رأينا رجالا ينوحون فصاروا دخلاء على النوائح . وبعد ، فأيما أحسن وأملح وأشهى وأغنج ! أن يغنيك فحل ملتف اللحية كثّ العارضين أو شيخ متخلع الأسنان مغضن الوجه ثم يغنيك إذا هو تغنى بشعر ورقاء بن زهير : رأيت زهيرا تحت كلكل خالد * فأقبلت أسعى كالعجول أبادر أم تغنيك جارية كأنها باقة نرجس أو كأنها ياسمينة أو كأنها خرطت من ياقوتة أو من فضة مجلوة بشعر عكاشة بن محصن : من كف جارية كأن بنانها * من فضة قد طرقت عنابا وكأن يمناها إذا نطقت به * ألقت على يدها الشمال حسابا فصل منه : فأما الغناء المطرب في الشعر الغزل فإنما ذلك من حقوق النساء وإنما ينبغي ان تغني بأشعار الغزل والتشبيب والعشق والصبابة بالنساء اللواتي فيهن نطقت تلك الأشعار وبهن شبب الرجال ومن أجلهن تكلفوا القول في التشبيب . وبعد فكل شيء وطبقه وشكله ولفقه حتى تخرج الأمور موزونة معتدلة ومتساوية مخلصة . ولو أن رجلا من أدمث الناس وأشدهم تخليصا لكلامه ومحاسنه لنفسه ثم جلس مع امرأة لا تزن بمنطق ولا تعرف بحسن حديث ثم كان يعشقها ما كان الناتج بينهما من الأحاديث والمتلاقح بينهما من المعاني والالفاظ إلا ما كان يجري بين دغفل بن حنظلة