الجاحظ
94
رسائل الجاحظ
شجاعة . وهذا القول ظاهر على ألسنة الأدباء مستعمل في بيان الحكماء وقد قال عروة ابن الزبير : واللّه إني لا عشق الشرف كما تعشق المرأة الحسناء . وذكر بعض الناس رجلا كان مدفعا محروما ومنحوس الحظ ممنوعا فقال : ما رأيت أحدا عشق الرزق عشقه ولا أبغضه الرزق بغضه . فذكر الأول عشق الشرف وليس الشرف بامرأة ، وذكر الآخر عشق الرزق والرزق اسم جامع لجميع الحاجات . وقد يستعمل الناس كناية وربما وضعوا الكلمة بدل الكلمة يريدون ان يظهروا المعنى بألين اللفظ إما تنويها وإما تفصيلا ، كما سموا المعزول عن ولايته مصروفا ، والمنهزم عن عدوه منحازا ، نعم حتى سمى بعضهم البخيل مقتصدا ومصلحا ، وسمى عامل الخراج المتعدي بحق السلطان مستقصيا . [ 2 - المرأة أهم موضوعات الحب ] ولما رأينا الحب من أكبر أسباب جماع الخير ورأينا البغض من أكبر أسباب الشر ، اجتنبنا ان نذكر أبواب السبب الجالب للخير ليفرق بينه وبين أبواب السبب الجالب للشر ، حتى نذكر أصولهما وعللهما الداعية إليهما والموجبة لكونهما . فتأملنا شأن الدنيا فوجدنا أكبر نعيمها وأكمل لذاتها ظفر المحب بحبيبه والعاشق بطليبه ، ووجدنا شقوة الطالب المكدي وغمه في وزن سعادة الطالب المنجح وسروره ، ووجدنا العشق كلما كان أرسخ وصاحبه به أكلف كان موقع لذة الظفر منه أرسخ وسروره بذلك أبهج . فان زعم زاعم أن موقع لذة الظفر بالعدو المرصد أحسن من موقع لذة الظفر من العاشق الهائم بعشيقته ! قلنا : إنا قد رأينا الكرام والحلماء وأهل السؤدد والعظماء ربما جادوا بفضلهم من لذة شفاء الغيظ ويعدون ذلك زيادة من نبل النفس وبعد الهمة وعلو القدر ، ويجودون بالنفيس من الصامت والناطق وبالثمين من العروض ، وربما خرج من جميع