الجاحظ

77

رسائل الجاحظ

[ 25 - الحب والهوى والعشق ] والحسب والنسب الذي بلغ به القيان الأثمان الرغيبة إنما هو الهوى . ولو اشترى على مثل شرى الرقيق لم تجاوز الواحدة منهن ثمن الرأس الساذج . فأكثر من بالغ في ثمن جارية فبالعشق ولعله كان ينوي في أمرها الريبة ، ويجد هذا أسهل سبيلا إلى شفاء غليله ثم تعذر ذلك عليه فصار إلى الحلال وإن لم ينوه ويعرف فضله ، فباع المتاع وحل العقد وأثقل ظهره بالعيبة حتى ابتاع الجارية . ولا يعمل عملا ينتج خيرا غير إغرائه بالقيان وقيادته عليهن ، فإنه لا ينجم الأمر إلا وغايته فيهن العشق ، فيعوق عن ذلك ضبط الموالي ومراعاة الرقباء وشدة الحجاب ، فيضطر العاشق إلى الشراء ، ويحل به الفرج ، ويكون الشيطان المدحور . والعشق داء لا يملك دفعه ، كما لا يستطاع دفع عوارض الأدواء الا بالحمية ، ولا يكاد ينتفع بالحمية مع ما تولد الأغذية وتزيد في الطبائع بالازدياد في الطعم . ولو أمكن أحدا أن يحتمي من كل ضرر ويقف عن كل غذاء ، للزم ذلك المتطبب في آفات صحته ، ونحل جسمه وضوى لحمه ، حتى يؤمر بالتخليط ، ويشار عليه بالعناية في الطيبات . ولو ملك أيضا صرف الأغذية واحترس بالحمية ، لم يملك ضرر تغير الهواء ولا اختلاف الماء . وأنا واصف لك حد العشق لتعرف حده : هو داء يصيب الروح ويشتمل على الجسم بالمجاورة ، كما ينال الروح الضعف في البطش والوهن في المرء ينهكه . وداء العشق وعمومه في جميع البدن بحسب منزلة القلب من أعضاء الجسم . وصعوبة دوائه تأتي من قبل اختلاف علله ، وأنه يتركب من وجوه شتى ، كالحمى التي تعرض مركبة من البرد والبلغم . فمن قصد لعلاج أحد الخلطين كان ناقصا من دائه زائدا في داء الخلط الآخر ، وعلى حسب قوة أركانه يكون ثبوته وإبطاؤه في الانحلال . فالعشق يتركب من الحب والهوى ،