الجاحظ
78
رسائل الجاحظ
والمشاكلة والإلف ، وله ابتداء في المصاعدة ، ووقوف على غاية ، وهبوط في التوليد إلى غاية الانحلال ووقف الملال . والحب اسم واقع على المعنى الذي رسم به ، لا تفسير له غيره ؛ لأنه قد يقال : إن المرء يحب اللّه ، وإن اللّه جل وعز يحب المؤمن ، وإن الرجل يحب ولده ، والولد يحب والده ويحب صديقه وبلده وقومه ، ويحب على أي جهة يريد ولا يسمى ذلك عشقا . فيعلم حينئذ أن اسم الحب لا يكتفى به في معنى العشق حتى تضاف إليه العلل الأخر إلا أنه ابتداء العشق ، ثم يتبعه حب الهوى فربما وافق الحق والاختيار ، وربما عدل عنهما . وهذه سبيل الهوى في الأديان والبلدان وسائر الأمور . ولا يميل صاحبه عن حجته واختياره فيما يهوى . ولذلك قيل : « عين الهوى لا تصدق » ، وقيل : « حبك الشيء يعمي ويصم » - يتخذون أديانهم أربابا لأهوائهم . وذلك أن العاشق كثيرا ما يعشق غير النهاية في الجمال ، ولا الغاية في الكمال ، ولا الموصوف بالبراعة والرشاقة ، ثم إن سئل عن حجته في ذلك لم تقم له حجة . ثم قد يجتمع الحب والهوى ولا يسميان عشقا ، فيكون ذلك في الولد والصديق والبلد ، والصنف من اللباس والفرش والدواب . فلم نر أحدا منهم يسقم بدنه ولا تتلف روحه من حب بلده ولا ولده ، وإن كان قد يصيبه عند الفراق لوعة واحتراق . وقد رأينا وبلغنا عن كثير ممن قد تلف وطال جهده وضناه بداء العشق . فعلم أنه إذا أضيف إلى الحب والهوى المشاكلة ، أعني مشاكلة الطبيعة ، أي حب الرجال النساء وحب النساء الرجال ، المركب في جميع الفحول والإناث من الحيوان ، صار ذلك عشقا صحيحا . وإن كان ذلك عشقا من ذكر لذكر فليس إلا مشتقا من هذه الشهوة ، وإلا لم يسم عشقا إذا فارقت الشهوة . ثم لم نره ليكون مستحكما عند أول لقياه حتى يعقد ذلك الإلف ، وتغرسه