الجاحظ
65
رسائل الجاحظ
ونقم علينا إظهار النعم والحديث بها . ورجونا النصر إذ قد بدينا والبادي أظلم ، وكاتب الحق فصيح - ويروى « ولسان الحق فصيح » - ونفس المحرج لا يقام لها ، وصولة الحليم المتأني لا بقاء بعدها . فبينا الحجة في اطراح الغيرة في غير محرم ولا ريبة ، ثم وصفنا فضل النعمة علينا ، ونقضنا أقوال خصمائنا بقول موجز جامع لما قصدنا . فمهما أطنبنا فيه فللشرح والإفهام ، ومهما أدمجنا وطوينا فليخف حمله . واعتمدنا على أن المطول يقصر ، والملخص يختصر ، والمطوي ينشر ، والأصول تتفرع ، وباللّه الكفاية والعون . [ 4 - قانون السببية في الطبيعة ] إن الفروع محالة راجعة إلى أصولها ، والأعجاز لاحقة بصدورها ، والموالي تبع لأوليائها ، وأمور العالم ممزوجة بالمشاكلة ومنفردة بالمضادة ، وبعضها علة لبعض ، كالغيث علة السحاب والسحاب علة الماء والرطوبة ، وكالحب علته الزرع ، والزرع علته الحب ، والدجاجة علتها البيضة ، والبيضة علتها الدجاجة ، والإنسان علته الإنسان . [ 5 - كل ما في العالم مسخر للإنسان ] والفلك وجميع ما تحويه أقطار الأرض ، وكل ما تقله أكنافها للإنسان خول ومتاع إلى حين . إلا أن أقرب ما سخر له من روحه وألطفه عند نفسه « الأنثى » ؟ فإنها خلقت له ليسكن إليها ، وجعلت بينه وبينها مودة ورحمة . ووجب أن تكون كذلك وأن يكون أحق وأولى بها ، من سائر ما خول إذا كانت مخلوقة منه . وكانت بعضا له وجزءا من أجزائه ، وكان بعض الشيء أشكل ببعض وأقرب به قربا من بعضه ببعض غيره . فالنساء حرث للرجال ، كما النبات رزق لما جعل رزقا له من الحيوان . [ 6 - كل ما لم يحرمه الشرع محلل ] ولولا المحنة والبلوى في تحريم ما حرم وتحليل ما أحل ، وتخليص المواليد من