الجاحظ
66
رسائل الجاحظ
شبهات الاشتراك فيها ، وحصول المواريث في أيدي الأعقاب ، لم يكن واحد أحق بواحدة منهن من الآخر ، كما ليس بعض السوام أحق برعي مواقع السحاب من بعض ، ولكان الأمر كما قالت المجوس : إن للرجل الأقرب فالأقرب إليه رحما وسببا منهن . إلا أن الفرض وقع بالامتحان فخص المطلق ، كما فعل بالزرع فإنه مرعى لولد آدم ولسائر الحيوان إلا ما منع منه التحريم . وكل شيء لم يوجد محرما في كتاب اللّه وسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمباح مطلق . وليس على استقباح الناس واستحسانهم قياس ما لم نخرج من التحريم دليلا على حسنه ، وداعيا إلى حلاله . ولم نعلم للغيرة في غير الحرام وجها ، ولولا وقوع التحريم لزالت الغيرة ولزمنا قياس من أحق بالنساء ، فإنه كان يقال : ليس أحد أولى بهن من أحد ، وإنما هن بمنزلة المشام والتفاح الذي يتهاداه الناس بينهم . ولذلك اقتصر من له العدة على الواحدة منهن ، وفرق الباقي منهن على المقربين . غير أنه لما عزم الفريضة بالفرق بين الحلال والحرام ، اقتصر المؤمنون على الحد المضروب لهم ، ورخصوه فيما تجاوزه . [ 7 - لم يعرف العرب الحجاب ] فلم يكن بين رجال العرب ونسائها حجاب ، ولا كانوا يرضون مع سقوط الحجاب بنظرة الفلتة ولا لحظة الخلسة ، دون أن يجتمعوا على الحديث والمسامرة ، ويزدوجوا في المناسمة والمثافنة ، ويسمى المولع بذلك من الرجال الزير ، المشتق من الزيارة ، وكل ذلك بأعين الأولياء وحضور الأزواج ، لا ينكرون ما ليس بمنكر إذا أمنوا المنكر ، حتى لقد حسك في صدر أخي بثينة من جميل ما حسك من استعظام المؤانسة ، وخروج العذر عن المخالطة ، وشكا ذلك إلى زوجها وهزه ما حشمه ، فكمنا لجميل عند إتيانه بثينة ليقتلاه ، فلما دنا لحديثه وحديثها سمعاه يقول ممتحنا لها : هل لك فيما يكون بين الرجال والنساء ، فيما يشفي غليل العشق ويطفئ نائرة الشوق ؟ قالت : لا . قال : ولم ؟ قالت : إن الحب إذا نكح فسد ! فأخرج سيفا قد كان أخفاه تحت ثوبه ، فقال : أما واللّه لو أنعمت لي لملأته منك ! فلما سمعا بذلك وثقا بغيبه وركنا إلى عفافه ،