الجاحظ

64

رسائل الجاحظ

برهان له محقا في انتحاله . والحاكم العادل من لم يعجل بفصل القضاء دون استقصاء حجج الخصماء ، [ و ] دون أن يحول القول فيمن حضر من الخصماء والاستماع منه ، وأن تبلغ الحجة مداها من البيان ، ويشرك القاضي الخصمين في فهم ما اختصما فيه ، حتى لا يكون بظاهر ما يقع عليه من حكمه أعلم منه بباطنه ، ولا بعلانية ما يفلج الخصام منه أطب منه بسره . ولذلك ما استعمل أهل الحزم والروية من القضاة طول الصمت ، وإنعام التفهم والتمهل ، ليكون الاختيار بعد الاختبار ، والحكم بعد التبين . [ 3 - موضوع الكتاب ] وقد كنا ممسكين عن القول بحجتنا فيما تضمنه كتابنا هذا اقتصارا على أن الحق مكتف بظهوره ، مبين عن نفسه ، مستغن عن أن يستدل عليه بغيره ، إذ كان إنما يستدل بظاهر على باطن ، وعلى الجوهر بالعرض ، ولا يحتاج أن يستدل بباطن على ظاهر . وعلمنا أن خصماءنا وإن موهوا وزخرفوا ، غير بالغين للفلج والغلبة عند ذوي العدل دون الاستماع منا ، وأن كل دعوى لا يفلج صاحبها بمنزلة ما لم يكن ، بل هي على المدعي كل وكرب حتى تؤديه إلى مسرة النجح أو راحة اليأس . إلى أن تفاقم الأمر وعيل الصبر ، وانتهى الينا عيب عصابة لو أمسكنا عن الإجابة عنها والاحتجاج فيها ، علما بأن من شأن الحاسد تهجين ما يحسد عليه ، ومن خلق المحروم ذم ما حرم وتصغيره والطعن على أهله - كان لنا في الإمساك سعة . فإن الحسد عقوبة موجبة للحاسد بما يناله منه ويشينه ، من عصيان ربه واستصغار نعمته ، والسخط لقدره ، مع الكرب اللازم والحزن الدائم ، والتنفس صعدا ، والتشاغل بما لا يدرك ولا يحصى . وأن الذي يشكر فعلى أمر محدود يكون شكره ، والذي يحسد فعلى ما لا حد له يكون حسده . فحسده متسع بقدر تغير اتساع ما حسد عليه . لأنا خفنا أن يظن جاهل أن إمساكنا عن الإجابة إقرار بصدق العضيهة ، وإن إغضاءنا لذي الغيبة عجز عن دفعها . فوضعنا في كتابنا هذا حججا على من عابنا بملك القيان ، وسبنا بمنادمة الإخوان ،