الجاحظ
320
رسائل الجاحظ
الحجة بارع الجدل يناظر الأدباء والفلاسفة ويفوقهم علما وقدرة على الاقناع . انه مثلا يخطئ سهل بن هارون الذي سمعه يقول : « ان من أصناف العلم ما لا ينبغي للمسلمين ان يرغبوا فيه ، وانه قد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال » فيجيبه قائلا : « قد يسمى بعض الشيء علما وليس بعلم . فان كنت هذا أردت فوجهه الذي ذكرناه . ولو قلت : العلم لا يدرك غوره ولا يسبر قعره ذلك كان عدلا وقولا صدقا ، وقد قال بعض العلماء : اقصد من أصناف العلم ما هو اشهى على نفسك وأخف على قلبك ، فان نفاذك فيه على حسب شهوتك له وسهولته عليك . وقال أيضا بعض الحكماء : لست اطلب العلم في بلوغ غايته والوقوف على نهايته ، ولكن التماس ما لا يسع جهله ولا يمس بالعاقل اغفاله . وقال آخرون : « علم الملوك النسب والخبر وحمل العفة ، وعلم التجار الحساب والكتاب ، وعلم أصحاب الحرب درس كتب المغازي وكتب السير ، فاما ان تسمي الشيء علما وتنهي عنه من غير أن يكون يشغل عما هو انفع منه ، بل تنهي نهيا جزما وتأمر امرا حتما فلا ! والعلم بصر وخلافه العمى ، والاستبانة للشر ناهية عنه ، والاستبانة للخير آمرة به » « 1 » . يتضح من كلام المأمون مذهبه الفكري الحر . فهو يدعو إلى العلم مهما كان نوعه وموضوعه لأنه بمثابة البصر ، يميز به الانسان الخير من الشر ، ولا ينبغي ان يحرم منه أحد . وهو مع ذلك يعترف بأن ادراك غايته شيء عسير لأنه بحر لا يعرف غوره . ولهذا ينبغي ان يهتم المرء بما هو شهي على قلبه من العلوم ، كما يشير إلى ضرورة التخصص في العلم . ولا شك في أن رد المأمون على سهل بن هارون قد بلغ غاية البلاغة . وقد اعترف ابن النديم بعلم المأمون فقال عنه « اعلم الخلفاء
--> ( 1 ) البيان والتبيين ، ج 4 ، ص 71 .