الجاحظ

319

رسائل الجاحظ

عهده في بغداد ، عهد العطاء ، والغنى والشهرة . في هذا العهد الذي استمر نحو نصف قرن من الزمان عاش الجاحظ مقربا من قصر الخلافة ، حائزا على رضا أصحاب السلطان يخدمهم بقلمه ويحظى منهم بالرعاية والعطف والأموال والهبات . ويخبرنا الجاحظ ان المأمون امر بتأليف كتب تعالج موضوع الخلافة فاستجاب له أبو عثمان وصنف كتبا في الإمامة ، فكلف المأمون اليزيدي ( 255 ه ) بالنظر فيها وتقديم تقرير عنها . ويستفاد من كلام الجاحظ ان الخليفة وجد هذه الكتب على ما امر به عندما اطلع عليها ، ويبدو ان هذه الكتب كانت السبب في اتصال الجاحظ بالمأمون . وعندما صار إليه قال له مقرظا مصنفاته تلك : وقد كان من يرتضي عقله ويصدق خبره خبرنا عن هذه الكتب باحكام الصنعة وكثرة الفائدة فقلنا له : قد تربي الصفة على العيان فلما رأيتها رأيت العيان قد اربى على الصفة » « 1 » . لم يقنع المؤرخون برواية الجاحظ التي تشير إلى سبب اتصاله بالمأمون ، فذهبوا إلى أن معتزلة كثمامة بن أشرس وغيره هم الذين مهدوا الطريق له إلى البلاط . وكانوا ذوي حظوة عند المأمون اتخذهم مستشارين له وأعوانا . وقالوا إن المأمون لم يقتصر على ابداء اعجابه بكتب الجاحظ وانما عينه رئيسا لديوان الرسائل ، غير أن الجاحظ لم يمكث في منصبه إلهام هذا سوى ثلاثة أيام ، إذ استعفى منه « 2 » . أصبح الجاحظ في عهد المأمون من الرجال المقربين يتردد إلى اولي الامر ويجتمع بهم ويطلع عن كثب على ما يجري في أروقة الخلافة من مناظرات ولقاءات وأحاديث . وقد رسم في كتبه صورة دقيقة عن ذلك الخليفة العظيم . فهو عالم متفلسف واسع الثقافة عميق المعرفة قوي

--> ( 1 ) البيان والتبيين ، ج 4 ، ص 72 . ( 2 ) ياقوت ، معجم الأدباء ، ج 16 ، ص 78 - 79