الجاحظ
282
رسائل الجاحظ
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ أوليس قد أخبر عن نفسه حين ذكر أمه أنه نفخ فيها من روحه ؟ أو ليس مع ذلك قد أخبر عن حصانة فرجها وطهارتها ؟ أوليس مع ذلك قد أخبر أنه لا أب له ، وأنه كان خالقا ، إذ كان يخلق من الطين كهيئة الطير ، فيكون حيا طائرا ؟ فأي شيء بقي من الدلالات على مخالفته لمشاكلة جميع الخلق ، ومباينة جميع البشر ؟ قلنا لهم : إنكم إنما سألتمونا عن كتابنا ، وما يجوز في لغتنا وكلامنا ، ولم تسألونا عما يجوز في لغتكم وكلامكم . ولو أننا جوزنا ما في لغتنا ما لا يجوز ، وقلنا على اللّه تعالى ما لا نعرف ، كنا بذلك عند اللّه والسامعين في حد المكاثرين ، وأسوأ حالا من المنافقين ، وكنا قد أعطيناكم أكثر مما سألتم ، وجزنا بكم فوق أمنيتكم . ولو كنا إذا قلنا : عيسى روح اللّه وكلمته ، وجب علينا في لغتنا أن يجعله ولدا ، ونجعله مع اللّه تعالى آلها ، ونقول : إن روحا كانت في اللّه فانفصلت منه إلى بدن عيسى وبطن مريم . فكنا إذا قلنا : إن اللّه سمى جبريل روح اللّه وروح القدس ، وجب علينا أن نقول فيه ما يقولون في عيسى . وقد علمتم أن ذلك ليس في ديننا ، ولا يجوز ذلك بوجه من الوجوه عندنا ، فكيف نظهر للناس قولا لا نقوله ، ودينا لا نرتضيه . ولو كان قوله جل ذكره : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا يوجب نفخا كنفخ الزق ، أو كنفخ الصائغ في المنفاخ ، وأن بعض الروح التي كانت فيه انفصلت فاصلة إلى بطنه وبطن أمه ، لكان قوله في آدم يوجب له ذلك ، لأنه قال : وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ . . . إلى قوله : وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وكذلك قوله : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ . والنفخ يكون من وجوه ، والروح يكون من وجوه : فمنها ما أضافه إلى نفسه ، ومنها ما لم يضفه إلى نفسه . وإنما يكون ذلك على