الجاحظ
283
رسائل الجاحظ
قدر ما عظم من الأمور ، فمما سمى روحا وأضافه إلى نفسه ، جبريل الروح الأمين ، وعيسى بن مريم . والتوفيق كقول موسى حين قال : إن بني فلان أجابوا فلانا النبي ولم يجيبوك . فقال له : « إن روح اللّه مع كل أحد » . وأما القرآن فإن اللّه سماه روحا ، وجعله يقيم للناس مصالحهم في دنياهم وأبدانهم ، فلما اشتبها من هذا الوجه ألزمهما اسمهما فقال لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا وقال : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ . [ 30 - خلاف النصارى حول طبيعة المسيح وميلهم إلى التشبيه ] فصل منه : قد جعلنا في جواباتهم وقدمنا مسائلهم ، بما لم يكونوا ليبلغوه لأنفسهم ، ليكون الدليل تاما ، والجواب جامعا ، وليعلم من قرأ هذا الكتاب ، وتدبر هذا الجواب ، أنا لم نغتنم عجزهم ، ولم ننتهز غرتهم ، وأن الإدلال بالحجة ، والثقة بالفلج والنصرة ، هو الذي دعانا إلى أن نخبر عنهم بما ليس عندهم ، وألا نقول في مسألتهم بمعنى لم ينتبه له منتبه ، أو يشير إليه مشير ، وألا يوردوا فيما يستقبلون ، على ضعفائنا ومن قصر نظره منا ، شيئا إلا والجواب قد سلف فيه ، وألسنتهم قد مذلت به . وسنسألهم إن شاء اللّه ، ونجيب عنهم ، ونستقصي لهم في جواباتهم ، كما سألنا لهم أنفسنا ، واستقصينا لهم في مسائلهم . فيقال لهم : هل يخلو المسيح أن يكون إنسانا بلا إله ، أو إلها بلا إنسان ؟ أو أن يكون إلها وإنسانا ؟ فإن زعموا أنه كان إلها بلا إنسان ، قلنا لهم : فهو الذي كان صغيرا فشب والتحى ، والذي كان يأكل ويشرب ، وينجو ويبول ، وقتل بزعمكم وصلب ، وولدته مريم وأرضعته ، أم غيره هو الذي كان يأكل ويشرب على ما وصفنا ؟ فأي شيء معنى الإنسان إلا ما وصفنا وعددنا ؟