الجاحظ

277

رسائل الجاحظ

وخليلا في اللّه . والخليل والمختل سواء في كلام العرب . والدليل على أن يكون الخليل من الخلة كما يكون من الخلة قول زهير بن أبي سلمى ، وهو يمدح هرما : وإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول لا عاجز ما لي ولا حرم وقال آخر : وإني إلى أن تسعفاني بحاجة * إلى آل ليلى مرة لخليل وهو لا يمدحه بأن خليله وصديقه يكون فقيرا سائلا ، يأتي يوم المسألة ويبسط يده للصدقة والعطية ، وإنما الخليل في هذا الموضع من الخلة والاختلال ، لا من الخلة والخلال . وكأن إبراهيم عليه السلام حين صار في اللّه مختلا أضافه اللّه إلى نفسه ، وأبانه بذلك عن سائر أوليائه ، فسماه خليل اللّه من بين الأنبياء ، كما سمى الكعبة : بيت اللّه من بين جميع البيوت ، وأهل مكة : أهل اللّه من بين جميع البلدان . وسمى ناقة صالح عليه السلام : ناقة اللّه من بين جميع النوق . وهكذا كل شيء عظمه اللّه تعالى ، من خير وشر ، وثواب وعقاب . كما قالوا : دعه في لعنة اللّه ، وفي نار اللّه وفي حرقه . وكما قال للقرآن : كتاب اللّه ، وللمحرم : شهر اللّه . وعلى هذا المثال قيل لحمزة رحمة اللّه ورضوانه عز ذكره عليه : أسد اللّه ، ولخالد رحمة اللّه عليه : سيف اللّه تعالى . وفي قياسنا هذا لا يجوز : أن اللّه خليل إبراهيم ، كما يقال : أن إبراهيم خليل اللّه . فإن قال قائل : فكيف لم يقدموه على جميع الأنبياء ، إذ كان اللّه قدمه بهذا الاسم الذي ليس لأحد مثله ؟ قلنا : إن هذا الاسم اشتق له من عمله وحاله وصفته ، وقد قيل لموسى عليه