الجاحظ

278

رسائل الجاحظ

السلام : كليم اللّه ، وقيل لعيسى : روح اللّه ، ولم يقل ذلك لإبراهيم ، ولا لمحمد عليهما السلام ، وإن كان محمد صلّى اللّه عليه وسلم أرفع درجة منهن لأن اللّه تعالى كلم الأنبياء عليهم السلام على السنة الملائكة ، وكلم موسى كما كلم الملائكة ، فلهذه العلة قيل : كليم اللّه . وخلق في نطف الرجال أن قذفها في أرحام النساء على ما أجرى عليه تركيب العالم ، وطباع الدنيا وخلق في رحم مريم روحا وجسدا ، على غير مجرى العادة ، وما عليه المناكحة . لهذه الخاصة قيل له : روح اللّه . وقد يجوز أن يكون في نبي من الأنبياء خصلة شريفة ، ولا تكون تلك الخصلة بعينها في نبي أرفع درجة منه ، ويكون في ذلك النبي خصال شريفة ليست في الآخر . وكذلك جميع الناس ، كالرجل يكون له أبوان ، فيحسن برهما وتعاهدهما ، والصبر عليهما ، وهو أعرج لا يقدر على الجهاد ، وفقير لا يقدر على الانفاق . ويكون آخر لا أب له ولا أم له ، وهو ذو مال كثير ، وخلق سوى ، وجلد طاهر ، فأطاع هذا بالجهاد والإنفاق ، وأطاع ذلك ببر والديه والصبر عليهما . والكلام إذا حرك تشعب ، وإذا ثبت أصله كثرت فنونه ، واتسعت طرقه . ولولا ملالة القارئ ، ومداراة المستمع لكان بسط القول في جميع ما يعرض أتم للدليل ، وأجمع للكتاب ، ولكنا إنما ابتدأنا الكتاب لنقتصر به على كسر النصرانية فقط . قلنا في جواب آخر : إن كان المسيح إنما صار ابن اللّه لأن اللّه خلقه من غير ذكر ، فآدم وحواء إذ كانا من غير ذكر وأنثى أحق بذلك ، إن كانت العلة في اتخاذه ولدا أنه خلقه من غير ذكر . وإن كان ذلك لمكان التربية فهل رباه إلا كما ربى موسى ، وداود ، وجميع الأنبياء . وهل تأويل : « رباه » إلا غذاه ورزقه وأطعمه وسقاه فقد فعل ذلك بجميع الناس ، ولم سميتم سقيه لهم واطعامه إياهم تربية ، ولم رباه وأنتم لا تريدون الا غذاه ورزقه وهو لم يحضنه ، ولم يباشر تقليبه ، ولم يتول بنفسه سقيه وإطعامه ، فيكون ذلك سببا له دون غيره ، وإنما سقاه لبن أمه في صغره ، وغذاه بالحبوب والماء في كبره .