الجاحظ

255

رسائل الجاحظ

يدينوا قط بأن مريم إله في سرهم ، ولا ادعوا ذلك قط في علانيتهم . وأنهم زعموا أنا ادعينا عليهم ما لا يعرفون ، كما ادعينا على اليهود ما لا يعرفون ، حين نطق كتابنا ، وشهد نبينا : أن اليهود قالوا : إن عزيرا ابن اللّه ، وإن يد اللّه مغلولة ، وإن اللّه فقير وهم أغنياء . وهذا ما لا يتكلم به إنسان ، ولا يعرف في شيء من الأديان . [ 4 - القول أن عزيرا ابن اللّه ] ولو كانوا يقولون في عزير ما نحلتموه وادعيتموه ، لما جحدوه من دينهم ، ولما أنكروا أن يكون من قولهم ، ولما كانوا بإنكار بنوة عزير أحق منا بإنكار بنوة المسيح ، ولما كان علينا منكم بأس بعد عقد الذمة ، وأخذ الجزية . [ 5 - القول أن فرعون طلب من هامان ان يبني له صرحا ] وذكرتم أنهم قالوا : ومما يدل على غلطكم في الاخبار ، وأخذكم العلم عن غير الثقات ، أن كتابكم ينطق : أن فرعون قال لهامان : ابْنِ لِي صَرْحاً . وهامان لم يكن إلا في زمن الفرس ، وبعد زمن فرعون بدهر طويل ، وإن ذلك معروف عند أصحاب الكتب ، مشهور عند أهل العلم . وإنما اتخذ صرحا ليكون إذا علاه أشرف على اللّه . وفرعون لا يخلو من أن يكون جاحدا للّه تعالى ، أو مقرا به . فإن كان دينه عند نفسه وأهل مملكته نفى اللّه وجحده ، فما وجه اتخاذ الصرح وطلب الإشراف ، وليس هناك شيء ولا إله ؟ وإن كان مقرا باللّه عارفا به ، فلا يخلو من أن يكون مشبها أو نافيا للتشبيه . فإن كان ممن ينفي الطول والعرض والعمق والحدود والجهات ، فما وجه طلبه له في مكان بعينه ، وهو عنده بكل مكان ؟ وإن كان مشبها فقد علم أنه ليس في طاقة بني آدم أن يبنوا بنيانا ، أو يرفعوا صرحا يخرق سبع سماوات بأعماقهن ، والأجزاء التي بينهن ، حتى يحاذي العرش ثم يعلوه .