الجاحظ

216

رسائل الجاحظ

وقال الآخر : إذا المرء أعيته المروءة ناشئا * فمطلبها كهلا عليه عسير وقال آخر : إذا ما ترعرع فينا الغلام * فليس يقال له من هوه إذا لم يسد قبل شد الإزار * فذلك فينا الذي لا هوه ولي صاحب من بني الشيصبان * فطورا أقول وطورا هوه وزعموا أن عمرو بن سعيد قال له معاوية - وذلك قبل أن يبلغ ويحتلم - إلى من أوصى بك أبوك ؟ قال : إن أبي أوصى إلي ولم يوص بي . قال : فيم أوصاك ؟ قال : أوصاني ألا يفقد إخوانه منه إلا وجهه . ولو لم يعرف ذلك إلا بعبد اللّه بن العباس وحده كان ذلك كافيا ، وبرهانا شافيا ، فإن الأعجوبة فيه أربت على كل عجب ، وقطعت كل سبب . وقد رأيتم حاجة عمر إليه ، واستشارته إياه ، وتقويمه لعثمان رضي اللّه عنهما وتغييره عليه . ولو لم يكن للفضيلة من بين أقرانه مستحقا ، وبها مخصوصا ، ما خصه الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالدعوة المستجابة ، ولما خصه بعلم الكتاب والسنة وهما أرفع العلم ، وأشرف الفكر . ويدلك على تقديمه للغاية ، وإيثاره للتعليم والاستبانة ، قوله حين قيل له في حداثته وقبل البلوغ في سنه : ما الذي آتاك هذا العلم وهذا البيان والفهم ؟ قال : « قلب عقول » ولسان سئول » . وقد عرفتم تحاكم العرب في الجاهلية في النفورة ، وفي غير ذلك من المخايرة والمشاورة ، إلى أبي جهل بن هشام في أيام حداثته وفتائه ، ولذلك أدخلوه دار الندوة ، ودفع [ مع ] ذوي الأسنان والحنكة من بين جميع الشبان ، ومن بين جميع الفتيان . ولذلك قال قطبة بن سيار حكيم فزارة حين تنافر إليه عامر ابن الطفيل