الجاحظ

217

رسائل الجاحظ

وعلقمة بن علاثة : عليكم بالحديد الذهن ، الحديث السن . يعني أبا جهل . فهذا كله دليل واضح ، وبرهان بين . ولعل قائلا أن يقول : إنما الفضل في خشونة الملبس ، وليس ذلك لمن مدحت ، ولا هذه صفة من وصفت . وهذا باب - أبقاك اللّه - قد يغلط فيه العاقل ما لم يكن بارعا ، والفطن ما لم يكن ثاقبا ، والأريب ما لم يكن كاملا . ولو كان الفضل والرئاسة والقدر والنباهة على قدر قشف الجلدة وبذاذة الهيئة ، وكثرة الصوم ، وإيثار الوحشة والسياحة - لكان عثمان بن مظعون متقدما لأبي بكر الصديق رضوان اللّه عليه ، ولكان بلال بن رباح غامرا لعثمان بن عفان رضي اللّه عنهما . وقد قال ابن شهاب الزهري : ليس الناسك إلا من غلب الحرام صبره ، والحلال شكره . فهذا ما حضرنا من القول ، وأمكننا من الاحتجاج . وما أشك أن من خبر أمرك أكثر من اختباري كان عنده أكثر من علمي . وعلى أن منظرك - أسعدك اللّه - يغني عن المخبر ، والفراسة فيك تكفي مئونة التجربة لك . وقد تقيلت بحمد اللّه أخلاق شيخك ، واحتذيت على مثاله كما احتذى على مثال من كان قبله . ولو لم يتعقبوا أمرك ، ويتصفحوا سيرتك في نفسك ثم في خاصتك وعامتك ، لكان في صدق الفراسة وظهور المحبة ما تقضي به النفوس ، ويستدل به المجرب . وظن العاقل كيقين غيره . قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : إنك لن تنتفع بعقله حتى تنتفع بظنه . وقال أوس بن حجر : الألمعي الذي يظن لك الظ * ن كأن قد رأى وقد سمعا