الجاحظ
213
رسائل الجاحظ
السنة ، وأبرزتم التوحيد بعد اكتتامه ، وأظهرتموه بعد استخفائه واحتملتم عداوة الجميع ، ووترتم المطاعنين في تقويتنا . ونحن لا نطالب ما كنتم قياما ، ولا نذكر ما كنتم شهودا . ونحن مع قلة علمنا لا نجد أبدا عملنا إلا مقصرا عن علمنا . وأنتم مع اتساع قلوبكم ، أعمالكم وفق علومكم ، لأن كل من بذل كل مجهوده ، وخاطر بجميع نعمته ، وكانت الواحدة من نعمه كالجميع من نعم غيره ، مع خذلان الموافق ونكوص المؤازر ، ثم لم تزده الشدائد إلا شدة ، والوحدة [ إلا ] أنسة - حقيق بالتفضيل والتعظيم ، والإنابة له بالتقديم . [ 13 - الجاحظ توجه إلى أبي الوليد دون والده احمد ابن أبي دؤاد لأنه شاب ممتلئ طموحا وصولة ، وأكثر فراغا من أبيه ] ولعل قائلا أن يقول : أدخله في جملة صفات أبيه ، وأجلة مشيخته وأقربيه ، حيث خصهم بالتقديم ، وأبانهم بالتعظيم . بل كيف يقدم من صغرت سنه وقلت تجربته على من تقاربت سنه وكثرت تجربته . وكيف تمكن الطاعة الكثيرة في الأيام القصيرة والشهور اليسيرة ؟ وهل يقول ذلك صاحب تحصيل ومقايسة ، والبعيد من الملق والمخادعة . وما قلت ذلك - حفظك اللّه - ولا انتحلته ، إلا وبرهاني حاضر ، وشاهدي شاهد . وذلك أن للشباب سكرة وطماحا ، وقراعا وصولة . والهرم داخل على جميع الأعضاء ، وآخذ بقسطه من جميع الأجزاء . ألا ترى كيف يكل ناظره وسامعه ، وذائقه وشامه ، وهاشمه وعامله ، وكيف تنقص على مرور الأيام قوته ، وكذلك قلبه وكل ما بطن من أمره ، على قدر ما نقص من قوى جسمه وتنقص من قوى شهوته . [ و ] يخف عليه مخالفة هواه ، ومحاربة نوازعه . ومن حمل على نفسه في كمال شبابه وأيام سكرته ، وفي سلطان حدته وكمال قوته ، فظلفها مرة وكبحها أخرى ، وعاين تلك التكاليف ، وغلب تلك الريح كان أبرز طاعة ، إذ كان