الجاحظ
214
رسائل الجاحظ
أحمل للمشقة . وعلى قدر المشقة تكون المثوبة ، وتعظم عند اللّه المنزلة ، وتقع له في قلوب الناس المحبة . ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لسعد ابن أبي وقاص ، حين وجهه إلى العراق : « يا سعد بني وهيب ، إن اللّه إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه . فاعتبر منزلتك من اللّه بمنزلتك من الناس ، واعلم أن ما لك عند اللّه مثل ما للّه عندك . ونحن نعتبر حالك عند اللّه بالذي نجد لك في قلوب عباده . وقد ملك اللّه بعض الناس أبدان بعض ، ولم يملك القلوب أحدا غيره » . وأما قولهم : إن الغرارة مقرونة بالحداثة ، والحنكة موصولة بطول التجربة ، فإن الذهن الحديد والطبع الصحيح ، والإرادة الوافرة ، ينال في الأيام اليسيرة ، ويدرك في الدهور القصيرة ، ما لا تدركه العقول المخدوجة ، ولا الطبائع المدخولة ، والإرادة الناقصة ، في الأيام الكثيرة ، والدهور الطويلة . وربما صادف القائل مع ذكائه وكثرة قراءته وجودة اعتباره ، زمانا أكثر عجبا ، وأكثر معتبرا ، وإن كانت شهوره أقل ، وأيامه أقصر ، فينال مع قلة الأيام ما لا ينال سواه مع كثرتها ، ولا سيما إذا أعين بحفظ ، وأحسن من نفسه بفضل بيان . وليس من نظر في العلم على الرغبة والشهوة له كمن نظر فيه على المكسبة به والهرب إليه ، لأن النفس لا تسمح بكل قواها إلا مع النشاط والشهوة ، وهي في ذلك لنفسها مستكرهة ولها مكابدة . والسآمة إلى من كانت هذه صفته أقرب ، وله ألزم . ولولا ذلك لما ولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم معاذ بن جبل اليمن ، وجعل إليه قبض الصدقات ، ومحاسبة العمال ، وقلده الأحكام وتعليم الناس الإسلام ، وهو ابن ثماني عشرة سنة . ولا يدفع ذلك صاحب خبر ولا حامل أثر . وعلى مثل ذلك عقد لأسامة بن زيد الإمرة ، وأبانه بالتقدمة على أجلة الأنصار وكبار المهاجرين ، وخيار السلف المتقدمين .