الجاحظ
193
رسائل الجاحظ
كل زمان على تفاوت الأعصار وبعد ما بين الاعصار ، وذلك أمر يستحيل في الواضع ولا يطمع فيه مع التنازع ، وقد يذهب العالم وتبقى كتبه ويفنى ويبقى أثره ، ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها وخلفت من عجيب حكمها ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدنا بها ما غاب عنا وفتحنا بها المستغلق علينا فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم ، لقد خس حظنا في الحكمة وانقطع سبيلنا إلى المعرفة ، ولو الجئنا إلى قدر قوتنا ومبلغ خواطرنا ومنتهى تجاربنا بما أدركته حواسنا وشاهدته نفوسنا لقلت المعرفة وقصرت الهمة وضعفت المنة ، فاعتقم الرأي ومات الخاطر وتبلد العقل واستبد بنا سوء العادة . وأكثر من كتبهم نفعا وأحسن مما تكلفوا موقعا كتاب اللّه تعالى الذي فيه الهدى والرحمة والإخبار عن كل عبرة وتعريف كل سيئة وحسنة . فينبغي أن يكون سبيلنا في من بعدنا سبيل من قبلنا فينا ، مع أنا قد وجدنا من العبرة أكثر ما وجدوا كما أن من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا . فما ينتظره الفقيه بفقهه والمحتج لدينه والذاب عن مذهبه ومواسي الناس في معرفته وقد أمكن القول وأطرق السامع ونجا من التقية وهبت ريح العلماء ! ؟ . فصل منه : واعلم أن قصد العبد بنعم اللّه تعالى إلى مخالفته غير مخرج إنعام اللّه عليه ولا محول إحسانه إلى غير معناه وحقيقته ، ولم يكن إحسان اللّه في إعطائه الأداة وتبيين الحجة لينقلبا إفسادا وإساءة ، لأن المعان على الطاعة عصى بالمعونة وأفسد بالانعام وأساء بالإحسان . وفرق بين المنعم والمنعم عليه ، لأن المنعم عليه يجب ان يكون شكورا ولحق النعمة راعيا ، والمنعم منفرد بحسن الإنعام وشريك في جميع الشكر ، ولأن المنعم أيضا هو الذي حبب الشكر إلى فاعله بالذي قدم إليه من إحسانه وتولى من مساره ، ولذلك جعلوا النعمة لقاحا والشكر ولادا . وإنما مثل إعطاء الآلة والتكليف لفعل الخير مثل رجل تصدق على فقير ليستر عورته ويقيم من أود صلبه وليصرف في منافعه ولا يكون إنفاق الفقير ذلك الشيء في الفساد والخلاف والفواحش لينقلب إحسان المتصدق إساءة ، وإنما هذا بصواب الرأي الذي لا ينقلب وإن انجع صاحبه ، وقد يؤتي الرجل مع حزمه ولا يكون مذموما ويخطئ بالإضاعة ولا يكون محمودا .