الجاحظ
194
رسائل الجاحظ
فصل منه : ولم يكن اللّه تعالى ليضع العدل ميزانا بين خلقه وعيارا على عباده في نظر عقولهم في ظاهر ما فرض عليهم ويسر خلافه ويستخفى بضده ، ويعلم أن قضاءه فيهم غير الذي فطرهم على استحسانه وتحبب إليهم به في ظاهر دينه ، والذي استوجب به الشكر على جميع خلقه . [ 16 - لا بد من امام يقمع طباع الشر ] فصل منه : وإن لم يكن العبد على ما وصفنا من الاستطاعة والقدرة والحال التي هي ادعى إلى المصلحة ما كان متروكا على طباعه ودواعي شهواته دون تعديل طبعه وتسوية تركيبه . ولذلك أسباب نحن ذاكروها وجاعلوها حجة في إقامة الإمامة وأن عليها مدار المصلحة وأن طبع البشر يمتنع من الاخبار إلا على ما نحن ذاكروه فنقول : إنا لما رأينا طبائع الناس وشهواتهم من شأنها التقلب إلى هلكتهم وفساد دينهم وذهاب دنياهم وإن كانت العامة أسرع إلى ذلك من الخاصة إذ لا تنفك طبائعهم من حملهم على ما يرديهم ما لم يردوا بالقمع الشديد في العاجل ومن القصاص من العادل ، ثم التنكيل في العقوبة على شر الخيانة وإسقاط القدر وإزالة العدالة مع الأسماء القبيحة والألقاب الهجينة ، ثم بالإخافة الشديدة والحبس الطويل والتغريب عن الوطن ، ثم الوعيد بنار الأبد مع فوت الجنة ، وإنما وضع اللّه تعالى هذه الخصال لتكون لقوة العقل مادة ولتعديل الطبائع معونة ، لأن العبد إذا فضلت قوى طبائعه وشهواته على عقله ورأيه ألفي بصيرا بالرشد غير قادر عليه ، فإذا احتوشته المخاوف كانت مواد لزواجر عقله وأوامر رأيه ، فإذا لم يكن في حوادث الطبائع ودواعي الشهوات وحب العاجل فضل على زواجر العقل وأوامر الغي كان العبد ممنعا من الغي قادرا عليه ، لأن الغضب والحسد والبخل والجبن والغيرة وحب الشهوات والثناء والمكاثرة والعجب والخيلاء وأنواع هذه إذا قويت دواعيها لأهلها واشتدت جواذبها لصاحبها ثم لم يعلم أن فوقه ناقما عليه وأن له منتقما لنفسه من نفسه أو مقتضيا منه لغيره ، كان ميله وذهابه مع جواذب الطبيعة ودواعي الشهوة طبعا لا يمتنع معه وواجبا لا يستطيع غيره . أو ما رأيته كيف يخرق في ماله ويسرع