الجاحظ
189
رسائل الجاحظ
في الموعظة مع ضمان الوعد بالغاية من الثواب والدوام واللذة ، والتوعد بغاية العقاب في الدوام والمكروه ، إلى عباده الذين كلفهم طاعته وأهل الفاقة إلى عائدته ونظره وإحسانه ، فإن قبل ذلك قابل فقد أصاب حظه ، وإن أبى ذلك فلنفسه ظلم . وقد صنع اللّه به ما هو أصلح وإن لم يستصلح العبد نفسه . قالوا : فإذا كان اللّه تبارك وتعالى عالما بأن القوم يزدادون فسادا عند إرسال الرسل وكان غير صارف لهم عن الإرسال إليهم إذ كان قد عدل خلقهم ومكنهم من مصلحتهم فما بال الظن والحسبان بأن الناس يتفاسدون ويتنازعون إذا لم يقيموا إماما واحدا يوجب فرضا لم ينطق به كتاب ولم يؤكده خبر وقد رأينا العلم بأن الناس يتفاسدون ولا يرد به فرض ! . [ 13 - رأي يقول بوجوب اعتماد الناس على أنفسهم في رعاية شؤونهم ] فصل منه : وقالوا : قد رأينا أهل الصلاح والقدر عند انتشار أمر السلطان وغلبة السفلة والدعار وهيج العوام يقوم منهم العدد اليسير في الناحية والقبيلة والدرب والمحلة فيقيم لهم حد المستطيل ويقمع شذوذ الدعار حتى يستريح الضعيف ويأمن الخائف وينتشر التاجر ويكبر جانبهم الداعر ، وإنما صلاح الناس بقدر تعاونهم وتخاذلهم ، مع أن الناس لو تركهم المتسلطون عليهم وألجئوا إلى أنفسهم حتى يتحقق عندهم أن لا كافي إلا بطشهم وحيلهم ، وحتى تكون الحاجة إلى الذب والحراسة والعلم بالمكيدة هي التي تحملهم على منع أنفسهم لذهبت عادة الكفاية وضعف الاتكال ولتعودوا اليقظة ولدربوا بالحراسة واستشاروا دفين الرأي ، لأن الحاجة تفتق الحيلة وتبعث على الروية ، وكان بالحرى أن يصلح أمر الجميع لأن طمع الراعي إذا عاد بأسا صرفه في البغي وكان ذاك منبها للنائم ومشحذا لليقظان وضراوة للمواكل ومزجرة للبغاة حتى ينبت عليه الصغير ويتفحل معه الكبير . [ 14 - رأي من يقول إن الإمامة وصية ] فصل منه : وزعم قوم أن الإمامة لا تجب إلا بأحد وجوه ثلاثة : إما عقل