الجاحظ
190
رسائل الجاحظ
يدل على سببها ، أو خبر لا يكذب مثله ، أو أنه لا يحتمل شيئا من التأويل إلا وجها واحدا . قالوا : فوجدنا الأخبار مختلفة والمختلف متدافع وليس في المتدافع والمتكافئ بيان ولا فضل ، فمن ذلك قول الأنصار ، وهم شطر الناس أو أكثرهم ، مع أمانتهم على دين اللّه تعالى وعلمهم بالكتاب والسنة حيث قالوا عند وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم : منا أمير ومنكم أمير . فلو كان قد سبق من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك أمر ما كان أحد أعلم به منهم ، ولا أخلق للاقرار والعمل بما يلزم الصبر عليه منهم ، بعد الذي ظهر من احتمالهم في جنب اللّه تعالى والجهاد في سبيله والنصرة لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، مع الإيواء والإيثار بعد المواساة ومحاربة القريب والبعيد والعرب قاطبة وقريش خاصة . ثم الذي نطق القرآن به من تزكيتهم وتفضيلهم بحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لهم ولقبه لهم وثنائه عليهم ، وهو يقول : « أما واللّه ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع » : في أمور كثيرة . ثم لم يكن قولهم : منا أمير ومنكم أمير . من سفيه من سفهائهم ضري إليه أمثاله منهم ، فان لكل قوم حسدة وجهالا وأحداثا وسرعانا من حدث تبعثه الغرارة والأشر ، أو رجل يحب الجاه والفتنة ، أو مغفل مخدوع ، أو غرزي حمية يؤثر حسبه ونسبه على دين اللّه تعالى وطاعة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم . ولا كان ذلك القول إذ كان من عليتهم في الواحد الشاذ القليل ، بل كان في ذوي أحلامهم والقدم منهم ، ثم كان المرشح والمأمول عندهم سعد بن عبادة سيدا مطاعا ذا سابقة وفضل وحلم ونجدة وجاه عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم واستعانة به في الحوادث والمهم من أمره ، ثم كان في الدهم من الأنصار والوجوه والجمهور من الأوس والخزرج ، فكيف يكون سبق من النبي صلّى اللّه عليه وسلم في هذا أمر يقطع عهدا ويوجب رضا وهؤلاء الأمناء على الدين والقوام به قد قاموا هذا المقام وقالوا هذا المقال . قالوا : فإن قال قائل : فان القوم كانوا على طبقات ، من ذاكر متعمد ، أو ناس قد كان سقط عن ذكره وحفظه ، ومن رجل كان غائبا عن ذلك القول التأكيد الذي كان من النبي صلّى اللّه عليه وسلم في إقامة إمام يقدم في أيام وفاته ، ومن رجل قدم في الإسلام لم يكن من حمال العلم ، فاذكرهم أبو بكر وعمر فذكروا ، ووعظاهم فاتعظوا ، فقد كان فيهم الناشئ الفاضل الذي يزجره الذكر وينزع إذا بصّر ، والمعتمد الذي لم يبلغ من لجاجه وتتايعه وركوب ردعه ما