الجاحظ
188
رسائل الجاحظ
من مال أو غيره ، وإنما يجب ذلك إذا كان على الفريقين من القيم والجاني يمكنه ما كلفه اللّه من ذلك ، فإن أبى القيم إقامة الحق والحد على الجاني بعد استيجابه والإمكان من نفسه لإقامة الحد عليه فقد عصى اللّه تعالى ، ولم يؤت في ذلك الأمر نفسه ، لأن اللّه تعالى قد بينه له وأوجبه عليه وقرره حين أوضح له الحجة وقرب له الدلالة وطوقه المعرفة ومكنه من الفعل . وقد بسطنا العذر لذوي العجز في صدر الكلام . وإن أبى الجاني المستحق للحكم والحد الإمكان من نفسه وماله وما هو بسبيله فقد عصى اللّه تعالى في ذلك كما عصاه في ركوبه ما أوجب عليه الحد ، ولم يؤت من ربه لما ذكرنا من إيضاح الحجة وإثبات القدرة . [ 12 - رأي يقول إن الإمامة لا تقوم على الارهاب والوعيد ] فصل منه : وقد علمنا أن من شأن الناس الهرب إذا خافوا نزول المكروه والامتناع من إمضاء الحدود بعد وجوبها عليهم ما وجدوا السبيل إلى ذلك . وهذا سبب إسقاط الاحكام والتفاسد . وقد أمرنا أن نترك أسباب الفساد ما استطعنا وبالنظر للرعية ما أمكننا ، فوجب علينا عند الذي قلنا أنا لو لم نقم إماما واحدا كان الناس على ما وصفنا من التسرع إلى الشر إذا طمعوا والهرب إذا خافوا . وهذا الأمر قد جرت به عامة المعرفة وفتحت عندنا فيه التجربة . قلنا عند ذلك إن الإمامة لا تجب على الناس من طريق الظنون وإشفاق النفوس ، وقد رأينا أعظم منها خطرا قدرا ونفعا في كل جهة على خلاف ذلك وهو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعثه اللّه إلى أمة وقد علم أنهم يزدادون من كفرهم من قبل ذلك الرسول كفرا بجحدهم له وإخراجهم إياه وقصدهم قتله ثم لا يكون ذلك مانعا له من الارسال إليهم والاحتجاج به عليهم لمكان علمه أنهم يزدادون فسادا وبغيا ، إذ كان قدم لهم ما به ينالون مصالح دينهم ودنياهم ، وإنما على الحكيم أن يأتي الأمر الحكيم عرف ذلك عارف أم جهله جاهل . وعلى الجواد ذي الرحمة في جوده ورحمته أن يفعل ما هو أفضل في الجود وأبلغ في الإحسان وألطف في الإنعام ، من إيضاح الحجة وتسهيل الطرق والإبلاغ