الجاحظ
182
رسائل الجاحظ
ترفيها عن أنفسهم من ألم الغيظ وكمد الحسد . فصل منها : وضرب آخر من الناس همج هامج ورعاع منتشر لا نظام لهم ولا اختبار عندهم ، أعراب أجلاف وأشابه الأعراب يفترقون لا تدفع صولتهم إذا هاجوا ولا يؤمن هيجهم إذا سكنوا ، إن أخصبوا طغوا في البلاد وإن أجدبوا آثروا العناد ، وهم موكلون ببغض القادة وأهل الثراء والنعمة ، يتمنون الغلبة ويشتمون بالعثرة ، ويسرون بالجولة ويترقبون الدائرة . وهم كما وصفوا : الطغام والسفلة ، وفيهم قال علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه في دعائه : نعوذ باللّه من قوم إذا اجتمعوا لم يملكوا وإذا افترقوا لم يعرفوا . فهؤلاء . وضرب آخر قد فقهوا في الدين وعرفوا سبب الإمامة قد قمعهم الحق فانقادوا له بطاعة الربوبية وطاعة المحبة وعرفوا المحنة وعرفوا العدل ولكنهم قليل في كثير ، ومختار كل زمان وإن كثروا فهم أقل عددا وإن كانوا أكثر فقها . [ 4 - حرص علي على وحدة المسلمين ] فلما كان الناس عند علي وأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار على الطبقات التي ذكرنا والمنازل التي نزلنا والمراتب التي رتبنا وبالمدينة منافقون يعضون عليهم الأنامل من الغيظ ، وفيها بطانة لا يألونهم خبالا ، لا يخفى عليهم موضع الشدّة وانتهاز الفرصة وهم في ذلك على تقية . وافق ذلك ارتداد من حول المدينة من العرب وتوعدهم بذلك في شكاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وصح به الخبر ، ثم الذي كان من اجتماع الأنصار حيث انحازوا من المهاجرين وصاروا أحزابا وقالوا منا أمير ومنكم أمير . أشفق على أن يظهر إرادة القيام بأمر الناس مخافة أن يتكلم متكلم أو يشغب مشاغب ممن وصفنا حاله وبينا طريقته فيحدث بينهم فرقة ، والقلوب على ما وصفنا والمنافقون على ما ذكرنا وأهل الردة على ما أخبرنا ومذهب الأنصار على ما حكينا ، فدعاه النظر للدين إلى الكف عن الإظهار والتجافي عن الأمر ، وعلم أن فضل ما بينه وبين أبي بكر في صلاحهم لو كانوا أقاموه لا يعادل التغرير بالدين ولا يفي بالخطار بالأنفس ، لأن في التهيج البائقة وفي فساد