الجاحظ
183
رسائل الجاحظ
الدين فساد العاجلة والآجلة ، فاغتفر الخمول ضنا بالدين وإيثارا للآجلة على العاجلة ، فدل ذلك على رجاحة حلمه وقلة حرصه وسعة صدره وشدة زهده وفرط سماحه وأصالة رأيه . ومتى سخت نفس امرئ عن هذا الخطب الجليل والأمر الجزيل ينزل من اللّه تعالى بغاية منازل الدين وإنما كانت غايته في أمرهم أربح الحالين لهم وأعود القصدين عليهم ، وعلم أن هلكتهم لا تقوم بإزاء فرق ما بين حاله وحال أبي بكر في مصلحتهم ، وقد علم بعد ذلك أن مسيلمة قد أطبق عليه أهل اليمامة ومن حولها من أهل البادية ، وهم القوم الذين لا يصطلى بنارهم ولا يطمع في ضعفهم وقلة عددهم ، فكان الصواب ما رآه علي من الكف عن تحريك الهرج إذا أبصر أسباب الفتن شارعة وشواكل الفساد بادية ، ولو هرج القوم هرجة أو حدثت بينهم فرقة كان حرب بوارهم أغلب من الطمع في سلامتهم . وقد كان أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وفضلاء أصحابه يعرفون من تلك الآراء شبيها بما يعرفه علي ، فعلموا أن أول أحكام الدين المبادرة إلى إقامة إمام المسلمين لئلا يكونوا نشرا ولئلا يجعلوا للمفسدين علة وسببا ، فكان أبو بكر أصلح الناس لها بعد علي فأصاب في قيامه والمسلمون في إقامته وعليّ في تسويغه والرضاء بولايته منة على الإسلام وأهله . فلما قمع اللّه تعالى أهل الردة بسيف النقمة وأباد النفاق وقتل مسيلمة وأسر طليحة ومات أصحاب الأوتار ونفيت الضغائن راح الحق إلى أهله وعاد الأمر إلى صاحبه . [ 5 - الفرق بين الزيدية والرافضة ] فصل منه : وإنما ذكرت لك مذهب من لا يجعل القرابة والحسب سببا إلى الإمامة دون من يجعل القرابة سببا من أسبابها وعلة من عللها ، لأني قد حكيته في « كتاب الرافضة » وكان ثم أوقع وبه أليق ، وكرهت المعاد من الكلام والتكرار لأن ذلك يغني عن ذكره في هذا الكتاب ، وهو مسلك واحد وسبيل واحد ، وإنما قصدت إلى هذا المذهب دون مذهب سائر الزيدية في دلائلهم وحججهم لأنه أحسن شيء رأيته لهم . وإنما أحكي لك من كل نحلة قول حذاقهم وذوي أحلامهم لأن فيه دلالة على غيره وغنى عما سواه .