الجاحظ
159
رسائل الجاحظ
في آخر الزمان وليعرضهم لطاعته بالذب عن دينه » . ( 6 ) إن السلف اهتموا بضبط القراءات وجمع القرآن لشدة الاختلاف في القراءات أو لكثرتها وتفشيها ثم لأنه يمكن تناول كلمة من هنا وكلمة من هناك وتأليفها في آية والقول أنها كلها مأخوذة من القرآن . ( 7 ) ينبغي جمع حجج النبوة من قبل العلماء اليوم كما جمعت القراءات والآيات من قبل السلف بالأمس درءا للخلاف بين المسلمين . وكما حمل الناس على قراءة زيد لأنها أحق من غيرها وأن كانت سائر القراءات حق ، كذلك يجب حمل الناس على اعتماد حجج النبوة المجموعة على اعتباراتها أحق من غيرها . وينطلق الجاحظ في رأيه هذا من مبدأ يقول إن للحق درجات وللخلاف درجات وللحرام درجات وللحسن درجات ويعطي مثل ولي المقتول الذي له حق قتل الجاني وله حق الصفح ، والصفح أفضل . ( 8 ) الأسباب التي حملت الجاحظ على تأليف حجج النبوة : ليسهل حفظها على من يجهلها ، وليزداد بصيرة بها من يعلمها ، وليكتمل علم من يعرف بعضها فقط ، ولإزالة الشبهة في نفس الشاك والملحد . ( 9 ) حاجة الناس إلى الاخبار تفسر بأمور عدة : يحتاج الناس إلى الاخبار للاعتبار بها وفي الاعتبار علم وفي العلم فضل . ويحتاج الاعتبار إلى آلة ، هذه الآلة هي العقل ، والعقل غريزة تحتاج في عملها إلى معونة الحواس ، وإلى توافر الحوائج التي تهيجها للعمل . ( 10 ) ويحتاج الناس إلى الاخبار لأنهم لا يدركون مصالحهم بأنفسهم وبالاعتماد على عقولهم فقط ان الاخبار عن القرون الماضية ، وآداب المرسلين وكتب الأولين تشحذ الأذهان وتدعو إلى التفكير . ( 11 ) ويحتاج الناس إلى الاخبار لأن الذين لم يشهدوا حجج الرسل وعجائب الأنبياء ولم يعيشوا في الأزمنة التي ظهر فيها هؤلاء لا بد لهم من أن يطلعوا عليها ممن شاهدوها عن طريق الرواية أو الاخبار أو كما يقول الجاحظ لا بد من أن يطلع الغائبون على اخبار المعاينين . وهؤلاء المعاينون المخبرون لا يمكن كثرتهم ان تتفق على تخرص الخبر الواحد لاختلاف طبائعهم . ( 12 ) ان اختلاف طبائع الناس هو سر توافقهم ، وفي توافقهم مصلحتهم . ولو كان الناس مخيرين في الأمور المتفقة والمختلفة لاختاروا جميعا الملك ورغبوا عن سائر المهن كالبيطرة والقصابة والدباغة والحجامة وفي ذلك بطلان المصلحة والهلاك . ثم إن اختلاف الناس في ميولهم المهنية يفسر برأي الجاحظ باختلاف طبائعهم . مثل إنسان يميل بطبعه إلى عمل من الاعمال يتلاءم مع استعداد طبيعي يحمله بالفطرة . ( 13 ) وحب الوطن والتعلق بالبلاد التي ينشأ فيها القوم مهما كانت أحوالها المناخية من السوء أو