الجاحظ
151
رسائل الجاحظ
فلما بلغه صلّى اللّه عليه وسلم قال : اللهم مزق ملكه كل ممزق . فمزق اللّه جل وعز ملكه وجذّ أصله وقطع دابره . لأن كل ملك في الأرض وإن كان قد أخرج من معظم ملكه فهو مقيم على بقية منه ، وذلك أن الإسلام لم يترك ملكا بحيث تناله الحوافر والأخفاف والأقدام إلا أزاله عنه وأخرجه منه إلى عقاب يعتصم بها ومعاقل يأوي إليها أو طرده إلى خليج منيع لا يقطعه إلا السفن . فهم من بين هارب قد دخل في وجار أو اختفى في غيضة أو مقيم على فم شعب ورأس مضيق ، قد سخت نفسه عن كل سهل وأسلم كل مرج ، أو ملك لا قرار له وليس بذي مدر فيؤتى وإنما أصحابه أكراد يطلبون النجعة أو كخوارج يطلبون الغرة . فأما أن يكون ملك يصمد لهم ويقيم بإزائهم ويغاديهم الحرب ويمسيهم ويساجلهم الظفر ويناهضهم ، كما كانت ملوك الطوائف ، وكالذي كان بين فارس والروم فلا ، وذلك لقوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ . فلم يرض أن أظهر دينه حتى جعل أهله الغالبين بالقدرة والظاهرين بالمنعة والآخذين الإتاوة . وكتب كسرى إلى فيروز الديلمي وهو من بقية أصحاب سيف بن ذي يزن : أن احمل إليّ هذا العبد الذي بدأ باسمه قبل اسمي واجترأ عليّ ودعاني إلى غير ديني . فأتاه فيروز فقال : إن ربي أمرني أن أحملك إليه . فقال صلّى اللّه عليه وسلم : إن ربي خبرني أنه قد قتل ربك البارحة ، فأمسك على ريث ما يأتيك الخبر فإن تبين لك صدقي وإلا فأنت على أمرك . فراع ذلك فيروز وهاله وكره الإقدام عليه والاستخفاف به . فإذا الخبر قد أتاه أن شيرويه قد وثب عليه في تلك الليلة فقتله . فأسلم وأخلص ودعا من معه من بقية الفرس إلى اللّه عن ذكره فأسلموا . فصل منه - في ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم : ثم إن الذي تقدمه صلّى اللّه عليه وسلم من البشارات من الكتب المتقادمة في الأزمان المتباعدة والبلدان الموجودة بكل مكان ، على شدة عداوة أهلها وتعصب حامليها ومع قوة حسدهم وشدة بغيهم ، وما ذلك ببديع منهم ومن آبائهم ، على أنهم أشبه بآبائهم ، منهم بأزمانهم ، وكل الناس