الجاحظ

152

رسائل الجاحظ

أشبه بأزمانهم منهم بآبائهم ، وآباؤهم الذين قتلوا أنبياءهم عليهم السلام وتعنتوا رسلهم غضب اللّه عليهم حتى خلاهم اللّه عز وجل من يده وأفقدهم عصمته وتوفيقه ، ولم أستدل على ذكره في التوراة والإنجيل والزبور وعلى صفته والبشارة به في الكتب إلا لأنك متى وجدت النصراني واليهودي يسلم بأرض الشام وجدته يعتل بأمور ويحتج بأشياء مثل الأمور التي يحتج بها من أسلم بالعراق ، وكذلك من أسلم بالحجاز ومن أسلم باليمن من غير تلاق ولا تعارف ولا تشاعر ، وكيف يتلاقون ويتراسلون وهم غير متعارفين ولا متشاعرين ! ولو كانوا كذلك لظهر ذلك ولم ينكتم ، كما حكينا قبل هذا ، ولو قابلت بين أخبارهم واحتجاجهم مع كثرة الألفاظ واختلاف المعاني لوجدتها متساوية . فصل منه - فإن قال قائل : لم كانت أعلام موسى عليه السلام في كثرتها مع غي بني إسرائيل ونقصان أحلام القبط في وزن أعلام محمد صلّى اللّه عليه وسلم وفي قدرها مع أحلام قريش وعقول العرب ؟ ومتى أحببت أن تعرف غي بني إسرائيل ونقص أحلام القبط ورجحان عقول العرب وأحلام كنانة فانظر بواديهم ورباعهم وانظر إلى بينهم وبقاياهم كما نظرت إلى غي بني إسرائيل ونقص بني من مضى من القبط تعتبر ذلك وتعرف ما أقول . ثم أنظر في الأشعار الصحيحة والخطب المعروفة والأمثال المضروبة والألفاظ المشهورة والمعاني المذكورة مما نقلته الجماعات عن الجماعات وكلام العرب ومعانيهم في الجاهلية ، ثم تفقد وسل أهل العلم والخبرة عن بني إسرائيل فإن وجدت لهم مثلا سائرا كما تسمع للقبط والفرس فضلا عن العرب فقد أبطلنا فيما قلنا . وقد كان الرجل من العرب يقف المواقف وينشئ عدة أمثال كل واحد منها ركن يبني عليه وأصل يتفرع منه . أو هل تسمع لهم بكلام شريف أو معنى يستحسنه أهل التجربة وأصحاب التدبير والسياسة أو حكم أو حكمة أو حذق في صناعة مع ترادف الملك فيهم وتظاهر الرسالة في رجالهم ، وكيف لا تقضي عليهم بالغي والجهل ولم تسمع لهم بكلمة فاخرة أو معنى نبيه لا ممن كان في المبدأ ولا ممن كان في المحضر ولا من قاطني السواد ولا من نازلي الشام ، ثم انظر إلى أولادهم مع طول لبثهم فينا وكونهم معنا هل غير ذلك من أخلاقهم وشمائلهم وعقولهم