الجاحظ

150

رسائل الجاحظ

واعلم أن من عود قلبه التشكك اعتراه الضعف ، والنفس عزوف فما عودتها من شيء جرت عليه ، والمتخير إلى تقوية قلبه ورد قوته عليه وإفهامه موضع رأيه وتوقيفه على الأمر الذي شغل صدره أحوج منه إلى المنازعة في فرق ما بين المجيء الذي يكذب مثله والمجيء الذي لا يكذب مثله . وسنتكلف من علاج دائه وترتيب إفهامه إن أعان على نفسه بما لا يبقي سببا للشك ولا علة للضعف واللّه تعالى المعين على ذلك والمحمود عليه . فصل منه - ومتى سمعنا نبي اللّه عليه السلام اتكل على عدالته وعلى معرفة قومه بقديم طهارته وقلة كذبه دون أن جاءهم بالعلامات والبرهانات ؟ ولعمري لو لم نجد الحافظ ينسى والصادق يكذب والمؤمن يبدل لقد كان ما ذهبوا إليه وجها . [ 23 - الدعاء المستجاب حجة على النبوة ] فصل منه في ذكر دلائل النبي صلّى اللّه عليه وسلم - وباب آخر يعرف به صدقه وهو إخباره عما يكون وإخباره عن ضمائر الناس وما يأكلون وما يدخرون ، ولدعائه المستجاب الذي لا تأخير فيه ولا خلف له ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم حين لقي من قريش والعرب ما لقي من شدة أذاهم له وتكذيبهم إياه واستعانتهم عليه بالأموال والرجال دعا اللّه عز وجل أن يجدب بلادهم وأن يدخل الفقر في بيوتهم فقال صلّى اللّه عليه وسلم : اللّهم سنين كسني يوسف اللّهم أشدد وطأتك على مضر . فأمسك اللّه عز وجل عنهم المطر حتى مات الشجر وذهب الثمر وقلت المزارع وماتت المواشي وحتى اشتووا القدّ والعلهز ، فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة على كسرى يشكو إليه الجهد والأزل ويستأذنه في رعي السواد ، وهو حين ضمنه عن قومه أرهنه قوسه . فلما أصاب مضر خاصة الجهد ونهكهم الأزل وبلغت الحجة مبلغها وانتهت الموعظة منتهاها عاد بفضله صلّى اللّه عليه وسلم على الذي بدأهم به فسأل ربه الخصب وإدرار الغيث ، فأتاهم منه ما هدم بيوتهم ومنعهم حوائجهم ، فكلموه في ذلك فقال : اللهم حوالينا ولا علينا . فأمطر اللّه عز وجل ما حولهم وأمسك عنهم . وكتب إلى كسرى يدعوه إلى نجاته وتخليصه من كفره فبدأ باسمه على اسمه فأنف من ذلك كسرى لشقوته وأمر بتمزيق الكتاب .